استهل وزير العدل عادل نصار كلمته خلال توقيع اتفاق التعاون المتعلق باستراتيجية حماية الطفل في مجالات العدالة والصحة، بالشراكة مع مستشفى “اوتيل ديو دو فرانس” الجامعي وشبكة الجامعة اليسوعية ووزارة العدل، في قاعة الإدارة العامة للمستشفى، باستذكار مساء الرابع من آب 2020، وقال: “ما زلت أذكر تلك الساعات الأولى التي أعقبت انفجار الرابع من آب، كنت حينها في وحدة الطوارئ بمستشفى أوتيل ديو، وهناك وقعت حادثة غريبة تعكس حجم الصدمة التي عشناها جميعا. التقيت هناك بالدكتورة نصار التي تحدثت إلي، لكن هول الفاجعة جعلني لا أدرك حقيقة ذلك اللقاء إلا بعد مرور ستة أشهر، حين تواصلت معها مجددا وأكدت لي أننا التقينا وتحدثنا بالفعل في تلك الليلة. إن هذه الصدمة الهائلة هي دافعنا المستمر للعمل”.
أضاف: “أؤكد اليوم للجميع، وبشكل قاطع، أننا مصممون وملتزمون بضمان استمرار هذا التحقيق في مساره الطبيعي. إن وزارة العدل تقدم كل الدعم الممكن لهذا الملف، وذلك ضمن حدود صلاحياتها واختصاصاتها القانونية. ولعل عائلات الضحايا التي تتابع الملف عن كثب، تلمس أن جهودنا قد تجاوزت مجرد الأقوال لتتحول إلى أفعال وإجراءات ملموسة على أرض الواقع”.
وتابع: “في ما يخص المسار القضائي الحالي، تم إرسال الملف إلى النيابة العامة لتقديم طلباتها (réquisitions)، وهنا أود توضيح نقطة جوهرية: إن الزمن القضائي لا يتوافق بالضرورة مع الزمن الإعلامي أو الزمن العاطفي، فمن الضروري احترام طبيعة عمل القضاة وضمان معالجة الملف وفقا للحقائق والمتطلبات القانونية الدقيقة بعيدا عن الاستعجال”.
وقال: “وفقا للمعطيات الحالية، يتوقع أن تستغرق صياغة الطلبات من قبل النيابة العامة حوالي 60 يومما -تزيد قليلا أو تنقص- ليقوم بعدها قاضي التحقيق بإحالة الملف تمهيدا لبدء المحاكمة. إن هذه الإجراءات، التي واجهت تقلبات وصعوبات في الماضي، تسير الآن في طريقها الصحيح، ونؤمن يقينا بأنه لا يمكن بناء دولة دون ثقة متبادلة بين المواطن والسلطة، وهذه الثقة لا تتحقق إلا من خلال عدالة فعالة وناجزة. وفي هذا السياق، نواصل تعزيز قدراتنا القضائية، ومن ضمنها إبرام بروتوكول تعاون بين وزارة العدل ومؤسسة ‘أيدولوجيا فرنسا’ (Algio de France)، لتعزيز الأداء المؤسساتي”.
وعن الاتفاق، أردف: “إن إبرام بروتوكول تعاون بين وزارة العدل ومستشفى أوتيل دي فرانس، إحدى أعرق مؤسسات البلاد وأكثرها هيبة، والمدين بوجوده لرهبنة اليسوعيين، يحمل بالنسبة لي بعدا وجدانيا عميقا”.
أضاف: “أبانا الأب الرئيس، كما تعلمون تماما ـإذ لا أفوت فرصة إلا وأردد فيها ذلك حتى حدود الهذيانـ أنا خريج مدارس الآباء اليسوعيين، منذ صف السنة التحضيرية في مدرسة والدي وحتى الصف النهائي لأبنائي. لذا، أشعر وكأنني أشارك في هذا اللقاء وسط عائلتي. ولكن، بعيدا عن الجانب الشخصي والعاطفي، يندرج توقيع هذه الاتفاقية في صلب عمل أساسي ومصيري للبنان، ألا وهو حماية الطفولة”.
وتابع: “ليس هناك ما هو أشد قسوة وألما من الوقوف عاجزين أمام الأطفال. فالطفل، رمز البراءة المجرد من التجربة التي تلقنه الحذر، يمثل في آن معا ذروة النزعة الإنسانية والركيزة الأساسية لمجتمعات الغد. وقد أشار ميلان كونديرا بأسلوب شعري بليغ إلى أن “الأطفال بلا ماضي، وتلك هي كل سر البراءة السحرية لابتسامتهم”.
وقال: “لا يجوز لأحد أن يؤذي طفلا، ولا يجوز لأحد أن يخون ابتسامة طفل. ولكن، يجب ألا ينسى أحد أيضا أن الطفل الذي يحمل في داخله ماضيا مؤلما، هو ضحية أيضا. فعندما نؤذي طفلا، إنما نستهدف الإنسانية الكامنة في كل منا، ونهدم القواعد المشتركة لمستقبل الجميع”.
أضاف: “لقد عانى لبنان طويلا وما زال يكابد وحشية العنف، وما فتئت الدماء تسيل، وتساقط الشهداء، ونالت الطفولة نصيبها الأليم في هذا الموكب الجنائزي لا المنهي. إلا أن ضميرنا الجماعي لم يستغرق البتة في سبات عميق. وما ظل حيا لأن نساء ورجالا حافظوا على شعلة الأمل مضاءة. ووحدة حماية الطفولة (UPE) خير شاهد ساطع على ذلك”.
وتابع: “اليوم، وبتوجيه منها ودفع، نواصل مساعينا ونوحد طاقاتنا لتعزيز هذه المعركة التي تعد أشرس المعارك وأعدلها قاطبة: معركة تكاتف الأيدي لمواصلة النضال معا ضد الانتهاكات المرتكبة بحق الأطفال وضد الانحرافات التي قد يسلكونها أحيانا. سيتكاتف القطاع الطبي مع قطاع العدالة لكي يأخذوا بيد الطفولة”.
وقال: “أدرك تماما أن القضاة مجندون لهذه الغاية وأن الأطباء يقفون في الصفوف الأمامية، إلا أن توحيد الجهود يظل ضرورة ملحة لا غنى عنها. فقد أظهر البروفيسور جرباقة مثابرة استثنائية، وكسر القيود وتخطى العقبات البيروقراطية الثقيلة. وها نحن اليوم نحتفي بثمرة جهوده. عالم يشد كل منهما أزر الآخر، الطب والعدالة، يوحدان قواهما في مهمة نبيلة ترتكز على جعل الأطفال في صلب اهتماماتهما وأولوياتهما”.
ولفت إلى أن توقيع هذه الاتفاقية يمثل خطوة إضافية حاسمة على طريق حماية الطفولة، وينبغي أن تترجم أفعالا ملموسة، وتعاونا صادقا،ونزيها، ومجردا من أي غاية ذاتية. سيضع الأطباء خبراتهم في خدمة العدالة، وستتيح السلطة القضائية للأطباء ـمتى دعت الحاجةـ الاطلاع على الملفات التي تخص طفلاً بعينه. وبشكل أدق، باتت العدالة تدرك بوعي متزايد أهمية إرداف الإجراءات القانونية بنهج نفسي يرافق الأطفال. هذا النهج أساسي، بغض النظر عما إذا كان الطفل فاعلا أو ضحية. فالطفل يظل طفلا، وعجزنا يبلغ مداه أمام بؤس أي طفل ومعاناته”.
وأشار إلى أن وزارة العدل أرسلت إلى البرلمان مشروع قانون يقضي برفع سن المسؤولية الجنائية للطفل، إيمانا راسخا منا بضرورة مرافقة الطفل ورعايته. أي عدالة تلك التي تعجز عن الحماية؟ وأي عدالة تلك التي تعجز عن الفهم؟ وأي عدالة تلك التي تعجز عن المرافقة والرعاية؟ إن العدالة التي ترتضي أن تكون عمياء في سبيل الحياد، هي عدالة تخلط بين القسوة والوحشية من جهة، والحق والقانون من جهة أخرى. وأسمح لنفسي هنا بأن أذكركم بما قالته أنتوان دو سانت إكزوبيري: “جميع الكبار كانوا أطفالا في يوم من الأيام، لكن قلة منهم فقط تذكر ذلك”.
وأخيرًا، تمنى نصار “التوفيق والنجاح الساطع للاب الرئيس بوادك في رسالته”، وقال: “إننا على ثقة تامة بأن الآباء اليسوعيين، ومنا جميعا، سنستمد منكم راعيا يذكرنا لا بالدور الجوهري الذي تضطلع به رهبنة اليسوعيين في لبنان فحسب، بل يذكرنا أيضا بأن الأب دوكرويه، والأب داغر، والأب مادي، على سبيل المثال لا الحصر وقائمة طويلة تطول، سيظلون تلك النجوم الهادية التي تنير دروبنا وتوجه خطانا”.

