Site icon IMLebanon

عون في البيت الأبيض ومعه كل العرب

كتب سامر زريق في “نداء الوطن”:

يكتسي اللقاء بين رئيس الجمهورية جوزاف عون والرئيس الأميركي دونالد ترامب بمفاعيل تأسيسية في سياق عملية التحول الكبرى التي يقودها الأول مذ انتخابه لإنقاذ الدولة وإعادة لبنان إلى العالم، أو بمعنى أدق، إعادة الابن الضال إلى مكانه بين “جادة” الدول الطبيعية التي تسعى إلى تحقيق الاستقرار وضمان مصالح شعوبها، وإقفال صفحة التحول القسري إلى قاعدة جهادية وتخريبية في المنطقة ضمن مشروع هيمنة ونفوذ استمر رغم تبدل الهويات التي قادته.

ولا يغيب عن بال الرئيس جوزاف عون وهو يدخل البيت الأبيض، منطق السياسات والمفاهيم العملية الأميركية التي تحكم الاستراتيجية التي تدير بها واشنطن النظام العالمي، ولا سيما إرث “العلامة” هنري كسينجر، القائم على مشروعية الاتفاقيات، وتوازنات القوة، وإدارة الفراغ الاستراتيجي، أو فراغ النفوذ، ضمن قواعد المعادلات التي يعاد رسمها.

يدرك عون أن إيران تضغط عليه بشراسة عبر حزبها لاحتواء زيارته، وحصرها بين مشهدين خبر لبنان تداعياتهما جيدًا: لقاءات الرئيس أمين الجميل بالرئيس الأميركي رونالد ريغن، ولقاء رئيس الحكومة الأسبق سعد الحريري بالرئيس الأميركي باراك أوباما. فبينما كان المعول على المسار الأول استنهاض الدولة وتطوير الجيش، فإنه أفضى، وبمعزل عن النوايا والأسباب، إلى خروج أميركا وتفويضها ورقة لبنان لحافظ الأسد، بينما خلص الثاني إلى انكفاء السعودية الاستراتيجي والسياسي عن لبنان في ظل تشريع هيمنة “حزب الله” كوكيل عن المشروع التوسعي الإيراني، وبتغطية إسرائيلية.

غير أن الفارق الجوهري يكمن في أن المنطقة تمر راهنًا بمتغير بنيوي على مستوى مشروعية الحكم نفسها، بعدما أخذت تنتقل تدريجيًا من شرعية الصراع مع إسرائيل إلى شرعية تثبيت حضور الدولة في مواجهة المشاريع العابرة للحدود والجماعات الموازية، كما يتبدى بوضوح في سوريا ولبنان والعراق، حيث بات معيار الشرعية الإقليمية والدولية هو قدرة الدولة على احتكار القوة وفرض سيادتها.

لذلك يسعى الرئيس جوزاف عون إلى الحصول من الرئيس الأميركي على ضمانات واضحة تثبت انفصال لبنان عن مسار إسلام أباد، وتحميه من تداعيات تجدد الصراع العسكري مع إيران بعد تعليقها لمذكرة التفاهم مع أميركا، بالتوازي مع محاولة اقتناص تعهد أميركي بانسحاب إسرائيلي من الأراضي اللبنانية.

بمعزل عن الرومانسية السياسية، صار لبنان على بيّنة أن معادلة “الأرض مقابل السلاح” أضحت الركيزة العملية لـ”صيغة الإطار”. لذا، يسعى رئيس الجمهورية عبر تقديم طرح مكتوب ومفصل، حسبما كشفت “رويترز”، يعتمد مقاربة براغماتية، ويتضمن آليات لنزع السلاح وفق قاعدة “خطوة – خطوة”، لكي تكون “ركلة البداية” في انطلاق الآليات التنفيذية للاتفاق بانسحاب إسرائيلي، ولو كان محدودًا ومن بلدتين، بما يمنح الدولة عنصر المبادرة في عملية ملء فراغ النفوذ تدريجيًا ويعيد إنتاج السلطة الشرعية على الأرض، ويمنح الجيش هامشًا أوسع لتثبيت حضوره.

بيد أن المشهد يتجاوز إطار العلاقات الثنائية بين بيروت وواشنطن. فالاتصال بين الرئيس عون وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان يجسد إعلانًا عمليًا بأن لبنان يحظى بغطاء عربي رسمي، بما يمنح رئيس الجمهورية ثقلا تفاوضيًا إضافيًا، لأن أي تسوية مستدامة لا يمكن أن تنجح من دون غطاء عربي فاعل، وفي مقدمته السعودية.

وفي السياق عينه، تتردد معلومات عن احتمال طلب الرئيس الأميركي تطوير التعاون اللبناني مع سوريا، حيث لا يمكن فصل زيارة الرئيس عون إلى أميركا عن زيارة رئيس الحكومة العراقية قبل أيام، وكذلك لقاء ترامب بالرئيس السوري أحمد الشرع على هامش “قمة الناتو” في تركيا، وزيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى اسطنبول واجتماعه بالرئيس التركي.

فجميع هذه المحطات تبدو حلقات متشابكة في عملية إعادة هندسة للتحالفات الإقليمية يشرف على نسجها توم براك، مبعوث ترامب، عبر ربطها بشبكات مصالح جيوسياسية وجيواقتصادية وأمنية متداخلة، بما يمنحها ثقلا سياسيًا مضاعفًا. ولعل عنوان “خط الحجاز” هو التعبير الأكثر اكتمالا عن هذا المسار الجديد لإعادة إنتاج التوازنات في المشرق.

Exit mobile version