Site icon IMLebanon

السعودية تواكب استعادة الدولة والسيادة

كتب طارق ابو زينب في “نداء الوطن”:

يدخل لبنان مرحلة سياسية مفصلية عنوانها إعادة بناء الدولة وترسيخ سيادتها على كامل أراضيها، في مسار يهدف إلى إعادة حصر الملفات السيادية والأمنية بالمؤسسات الشرعية، واستعادة ثقة المجتمعين العربي والدولي بقدرة الدولة اللبنانية على قيادة المرحلة المقبلة.

ومع بدء تنفيذ المرحلة الأولى من خطة تطبيق المناطق النموذجية عقب انسحاب القوات الإسرائيلية منها، يواجه لبنان اختبارًا حقيقيًا لترجمة التحولات السياسية إلى خطوات عملية، عبر تعزيز حضور الجيش اللبناني والمؤسسات الرسمية، وتثبيت مفهوم الدولة القادرة على فرض سلطتها وإدارة شؤونها وفق قرار وطني مستقل.

وفي قلب هذا التحول، يبرز الدور السعودي كأحد أبرز عناصر الإسناد العربي للبنان، بعدما انتقل من إطار المساندة التقليدية إلى مواكبة مشروع إعادة بناء الدولة. فالرياض تنطلق من رؤية ثابتة تعتبر أن استقرار لبنان لا يتحقق إلا عبر دولة قوية ومؤسسات فاعلة وقرار سيادي مستقل، وهو ما يفسر دعمها للمسار الذي يعتمده رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون لتعزيز دور المؤسسات الشرعية.

وفي هذا السياق، جاء الاتصال الهاتفي بين ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ورئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ليؤكد اهتمام المملكة بالمرحلة الجديدة التي يمر بها لبنان، حيث شدد ولي العهد على وقوف السعودية إلى جانب لبنان ودعم الخيارات الهادفة إلى حماية سيادته واستقلال قراره الوطني وسلامة أراضيه.

كما حمل الاتصال رسالة تتجاوز البعد السياسي المباشر، مع تجديد الأمير محمد بن سلمان استعداد المملكة لتقديم الدعم في مختلف المجالات التي يحتاج إليها لبنان، وفق الأولويات التي تحددها الحكومة اللبنانية، وفي مقدمها دعم الاقتصاد وتعزيز الاستقرار ومساندة مسار التعافي، بما يعكس انتقال العلاقة اللبنانية- السعودية من مرحلة احتواء تداعيات الأزمة إلى مواكبة إعادة بناء الدولة.

وتؤكد مصادر سياسية مطلعة لـ”نداء الوطن” أن أهمية التواصل السعودي- اللبناني تكمن في مضمونه وتوقيته، إذ يأتي في مرحلة إقليمية دقيقة تشهد إعادة ترتيب للأولويات، بالتزامن مع استحقاقات لبنانية ستحدد شكل المرحلة المقبلة.

وبحسب المصادر، فإن الرياض تتحرك انطلاقًا من قراءة استراتيجية تعتبر أن لبنان أمام فرصة لإعادة تثبيت موقعه العربي، وأن نجاح هذا المسار يحتاج إلى دعم الدولة ومؤسساتها، لا إلى إدارة الأزمات المتراكمة. لذلك تواكب المملكة الاتصالات اللبنانية- الدولية، وتحرص على توفير غطاء عربي يعزز موقع لبنان في أي مسار سياسي أو تفاوضي مقبل.

وتقرأ مصادر سياسية هذا الانخراط السعودي باعتباره جزءًا من مقاربة إقليمية أوسع تقوم على دعم منطق الدولة والمؤسسات، في مرحلة تعيد فيها المنطقة ترتيب أولوياتها. فاستعادة لبنان لقراره السيادي لا تمثل استحقاقًا داخليًا فقط، بل اختبارًا لقدرة الدولة على تثبيت حضورها كشريك قادر على إدارة شؤونه بقرار وطني مستقل.

وفي جوهر هذا المسار، تبقى معركة استعادة الدولة مرتبطة بتوحيد المرجعية الوطنية وترسيخ دور المؤسسات الشرعية، إذ إن أي نهوض سياسي أو اقتصادي يحتاج إلى دولة قادرة على تنفيذ التزاماتها وتحويل الدعم الخارجي إلى مشروع مؤسساتي يعيد بناء الثقة ويكرّس الاستقرار.

ولا ينطلق التحرك السعودي من حسابات ظرفية، بل من رؤية أوسع ترى أن استقرار المنطقة يبدأ من قوة الدول ومؤسساتها. وبعد سنوات من الأزمات السياسية والاقتصادية، تعتبر الرياض أن المرحلة الحالية تشكل اختبارًا لقدرة الدولة اللبنانية على استعادة زمام المبادرة والانتقال من إدارة الأزمات إلى مرحلة بناء الثقة والنهوض.

وترى مصادر سياسية مطلعة لـ”نداء الوطن” أن المقاربة السعودية تجاه لبنان تقوم على أن أي استقرار مستدام يحتاج إلى دولة تستعيد كامل صلاحياتها الدستورية، وتبسط سلطتها على أراضيها، وتعزز دور مؤسساتها الشرعية، وفي مقدمها الجيش اللبناني باعتباره المؤسسة الوطنية المخولة حماية الحدود وصون الأمن والاستقرار.

وفي هذا الإطار، يستمر التنسيق اللبناني- السعودي حول الملفات السيادية، وفي مقدمها ترتيبات الجنوب وآليات تثبيت الاستقرار بعد انسحاب القوات الإسرائيلية من المناطق التي شملتها المرحلة الأولى من الخطة، بالتوازي مع تعزيز انتشار الجيش وتنفيذ الدولة لخططها الأمنية وفق قراراتها السيادية.

وتشكل هذه المرحلة اختبارًا لقدرة لبنان على الانتقال من إدارة الأزمات إلى تثبيت السيادة. فنجاح الدولة في تعزيز حضورها الميداني سيمنحها موقعًا أقوى سياسيًا، ويفتح الباب أمام دعم اقتصادي واستثماري أوسع، خصوصًا أن عودة الثقة العربية والدولية لا ترتبط بالمساعدات فقط، بل بقدرة لبنان على تقديم نموذج دولة مستقرة وقابلة للشراكة.

وفي المحصلة، يعكس التحرك السعودي انتقالا من منطق الدعم الطارئ إلى منطق الشراكة طويلة الأمد، لكنه يضع في الوقت نفسه مسؤولية أساسية على الدولة اللبنانية لترجمة هذا الدعم إلى إصلاحات فعلية وتعزيز السيادة. فالدعم العربي يمكن أن يفتح الأبواب، لكن بناء الدولة يبقى قرارًا لبنانيًا أولا، وهو الاختبار الحقيقي لاستعادة لبنان دوره الطبيعي في محيطه العربي والدولي.

Exit mobile version