Site icon IMLebanon

ترامب يفتح الباب… فهل يعبر لبنان؟

كتبت د. بولا أبي حنا في “نداء الوطن”:

لم تكن زيارة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون إلى واشنطن مجرد لقاء بين رئيسين، ولا مجرد محطة بروتوكولية في سجل العلاقات اللبنانية_الأميركية. فهي جاءت في لحظة إقليمية دقيقة، وفي مرحلة يبحث فيها لبنان عن استعادة موقعه كدولة قادرة على ممارسة سيادتها، وعن دعم دولي يساعده على النهوض من أزماته المتراكمة. لكن الأهم من كل ذلك أن الزيارة طرحت سؤالاً يتجاوز شخص الرئيس: هل تستطيع الدولة اللبنانية تحويل الدعم الخارجي إلى مشروع دولة فعلية؟

منذ الإعلان عن الزيارة، انشغل جزء كبير من النقاش العام بتفاصيل شكلية: حجم الوفد، غياب بعض المسؤولين، مستوى الاستقبال، وحتى لباس الرئيس والسيدة الأولى. وكأن نجاح الزيارة أصبح يُقاس بالصورة لا بالمضمون غير أن الدبلوماسية، في جوهرها، لا تُقاس بعدد المستقبلين عند سلم الطائرة، ولا بطول السجاد الأحمر، بل بما تحققه الدول داخل غرف القرار.

وهنا لا بد من التمييز بين القانون والبروتوكول. فالبروتوكول ليس قانوناً دولياً ملزماً، بل مجموعة من الأعراف والممارسات التي تطورت لتنظيم العلاقات بين الدول،وهي بطبيعتها قابلة للتغيير والتكيّف مع التحولات السياسية. فلا توجد قاعدة قانونية تفرض على رئيس دولة اصطحاب وزير الخارجية في كل زيارة، أو تحدد عدد أعضاء الوفد، أو تضع نموذجاً ثابتاً للمراسم خارج الاجتماعات الرسمية.

بل إن الدبلوماسية الحديثة نفسها شهدت تحولاً واضحاً من ثقافة الاستعراض إلى ثقافة الفعالية. ولهذا ظهرت في الأدبيات المعاصرة مفاهيم مثل الدبلوماسية الرشيقة والبروتوكول الذكي، حيث تتجه الدول إلى وفود أكثر تخصصاً وأقل عدداً، وإلى تخفيف الشكليات لمصلحة التركيز على جوهر التفاوض. فالمعيار لم يعد حجم الوفد، بل حجم النتائج.

ومن هذه الزاوية، يجب قراءة زيارة الرئيس عون إلى واشنطن. فهي أول زيارة لرئيس لبناني إلى البيت الأبيض منذ عام 2009، وجاءت في سياق إقليمي معقد تتداخل فيه الملفات اللبنانية مع تطورات سوريا، وأمن الجنوب، ومستقبل دور المؤسسات الشرعية في لبنان.

إذا كان البعض قد ركز على الشكل، فإن الرسالة الحقيقية كانت في مضمون اللقاء. فقد عكست لغة الجسد بين الرئيسين جوزاف عون ودونالد ترامب ارتياحاً متبادلاً، فيما أظهر الرئيس اللبناني، من خلال حضوره ولغته الإنكليزية الواثقة والمباشرة، صورة رئيس يعرف ما يريد من زيارته: دعماً للدولة اللبنانية، وتعزيزاً للجيش، ومساندة لمسار استعادة الدولة لقرارها.

لكن الأهم كان في الرسائل السياسية التي خرجت من البيت الأبيض. فقد أكد ترامب دعمه للرئيس اللبناني، وأشاد بالجيش اللبناني، وتناول مسألة حاجاته وقدرته على القيام بدوره، مؤكداً أهمية عدم انهياره. كما أعلن استعداده للتحدث إلى حزب الله إذا رأى رئيس الجمهورية أن ذلك يخدم مصلحة لبنان.

هذه المواقف لا يمكن قراءتها فقط كعبارات دبلوماسية عابرة، بل تدخل ضمن مفهوم الإشارات السياسية في العلاقات الدولية، حيث تستخدم الدول الكبرى خطابها لتحديد مواقعها وإرسال رسائل إلى أطراف متعددة. فالرسالة الأساسية التي يمكن فهمها من هذا الخطاب هي أن واشنطن تتعامل مع الدولة اللبنانية عبر مؤسساتها الشرعية، وأن الجيش اللبناني يبقى المؤسسة الوطنية التي يُعوَّل عليها في تثبيت الاستقرار.

لكن هنا تبدأ النقطة الأكثر أهمية: الدعم الدولي لا يصنع دولة من الخارج. فالرئيس عون يستمد شرعيته من الدستور اللبناني ومن المؤسسات اللبنانية، وليس من أي اعتراف خارجي. أما الدعم الأميركي والدولي، فهو يمنح الدولة مساحة سياسية أوسع وفرصة أكبر، لكنه لا يستطيع أن يحل مكان القرار السيادي اللبناني.

وهنا تكمن المفارقة الأساسية في الزيارة: ترامب دعم عون، لكنه امتحن الدولة اللبنانية. فقد حمل اللقاء رسالة إيجابية مفادها أن المجتمع الدولي مستعد لمساندة لبنان، لكنه في المقابل ينتظر من الدولة أن تثبت قدرتها على ممارسة وظائفها الأساسية: بسط سلطتها على كامل أراضيها، احتكار القوة الشرعية، وتعزيز دور الجيش اللبناني كمؤسسة وطنية جامعة.

فالجيش لا يحتاج فقط إلى السلاح والتمويل، بل يحتاج قبل ذلك إلى قرار سياسي يمنحه القدرة على القيام بدوره كاملاً. فالمؤسسات العسكرية في الدول التي تمر بأزمات لا تُبنى بالمعدات وحدها، بل ببناء الثقة بدورها كذراع وحيدة للدولة في ممارسة القوة المشروعة.

لذلك، فإن نجاح زيارة واشنطن لن يُحسم في صور اللقاء، ولا في مستوى المراسم، ولا في حجم الوفد. سيُحسم بقدرة لبنان على استثمار هذه اللحظة السياسية وتحويل الدعم إلى مسار إصلاحي وسيادي طويل الأمد.

لقد فتحت واشنطن نافذة فرصة، لكن النوافذ السياسية لا تبقى مفتوحة إلى الأبد. فالدبلوماسية تستطيع أن تفتح الأبواب، لكنها لا تستطيع أن تبني الدولة مكان أصحابها.

وفي النهاية، ستبقى قيمة هذه الزيارة مرتبطة بسؤال واحد: هل يستطيع لبنان أن يحوّل الدعم الدولي إلى قوة دولة؟ لأن العالم قد يساعد لبنان، وقد يدعم جيشه، وقد يمنحه فرصة جديدة، لكنه لا يستطيع أن يتخذ عنه القرار الأصعب: أن تكون الدولة وحدها صاحبة القرار والسيادة.

Exit mobile version