Site icon IMLebanon

عون «عاشق» الفراغ

 

يُشبه راكبَ الدرّاجة الهوائية، لا يستطيع إلّا أن يضغط على الدوّاسات وإلّا سيقع أرضاً، ولهذا يستمرّ في الدَوس إلى المناطق الخطِرة، علَّ حلمَ الرئاسة يتحقّق، ولو على جثّة المسيحيين وموقعهم في النظام.

هل سيستمرّ «حزب الله» في تغطية الفراغ الذي يتسبَّب به عون؟

لا يحيد رئيس تكتّل «التغيير والإصلاح» النائب ميشال عون عن هذه القاعدة منذ العام 1988. شنَّ «حرب التحرير» بعدما عجز أن يكون مرشّح التوافق الأميركي ـ السوري، وحين أرسل النوّاب إلى الطائف، ليعود فيشنّ حرباً ضد «القوات اللبنانية» التي أيَّدت ذاك الاتّفاق، بعد انتخاب الرئيس رينيه معوّض.

يخوض عون حرب تغيير اتّفاق الطائف، المفارقة أنّه استفاق على هذا التغيير، بعدما تعذَّر إصلاح حواره العقيم مع الرئيس سعد الحريري، فبدأ يضغط على دوّاسات الدرّاجة الهوائية قبل أن يقع، متجاهلاً قصداً أنّه يرمي مصلحة المسيحيين إلى القعر، بربطِ حضورهم ومستقبلهم بانتخاب شخصِه الكريم للرئاسة.

فإذا لم يوفّق الله هؤلاء بانتخابه، فإنّ الواجب يقتضي تعديل الطائف وتهديد المناصفة، وتعديل سايكس بيكو، ورسم خرائط جديدة للمنطقة، وإحياء الحرب الباردة، وتوسّل تعدّدية الأقطاب في العالم لكسرِ الأحادية الأميركية. عاشقٌ للفراغ منذ نعومة أظفاره، ومستأنس بصوَر النيران والدمار، لأنّها تزيد من بهاء صورة المخلّص التي يزرعها في رؤوس بعض المسيحيّين.

عام 1988 تحالفَ عون مع سمير جعجع، في مواجهة الاتّفاق الاميركي ـ السوري، لمجرّد أنّه لم يكن رئيس هذا الاتفاق. دغدغَه الرئيس السوري حافظ الأسد بوفرة المراسيل من وزارة الدفاع إلى قصر المهاجرين، من ألبير منصور إلى فايز القزي وغيرهما، وحين أتّت جردة الحساب لم يكن اسمُه على الطاولة، فحاولَ قلبَ الطاولة بشَنِّه «حرب التحرير»، التي لم يكن لها من موازين القوى لكي تفوز إلّا سكّين المطبخ، وتضحيات نبيلة قدَّمها ضبّاط وجنود شجعان، ولبنانيوّن أملوا خيراً، وهم لا يعرفون أنّه لو تمّ التوافق عليه في اجتماع مورفي – الأسد، لكان ذهبَ إلى اتّفاق مع الأسد ربّما كان أكثر عمقاً من اتّفاقه اليوم مع الأسد الابن. كان ذلك قبل 26 عاماً، ويتكرَّر اليوم بدفعٍ من أحلام الوصول إلى بعبدا.

يُطبق «المخلِّص» نظرية الخلاص من كلّ ما يعوق تحقيق حلمه التاريخي. حاول الاتفاق مع الرئيس سعد الحريري وفشلَ، فانتقل إلى الخلاص من «اتّفاق الطائف»، من دون وجود أيّ ضمان بأنّه سيأتي بأفضل من الطائف. يُخلِص «المخلِّص» لحلمه أيّما إخلاص. على طريق الخلاص لا بأس من تعطيل انتخابات الرئاسة مرّات ثلاث.

1988 التي انتهَت بأسوأ حربَين دمّرتا ما تبقّى من عناصر قوّة، 2008 التي حاول فيها ركوب السابع من أيّار فأتت حساباته مغايرة لحسابات «حزب الله»، و2014 التي خيَّر فيها «حزب الله» بينه وبين أيّ رئيس تسوية، مفتتحاً فراغاً من نوع آخر لا يريد له أن ينتهي إلّا بنتيجتين: إمّا هو رئيس في ظلّ اتّفاق الطائف (يصبح الطائف مقبولاً) وإمّا الاستمرار في الفراغ الى حين تغيير النظام، ولو أدّى ذلك إلى فتح نقاش وطني غير متكافئ، سيقود حتماً إلى الانتهاء من المناصفة، وغيرها من المكاسب التي ضمنها الطائف للمسيحيين.

رحلة الدرّاجة الهوائية مستمرّة، فعون لن يتراجع عن الوصول إلى النهائي، لكن هل تتوافق حساباته مع ما تعيشه المنطقة؟ وهل سيستمرّ «حزب الله» في تغطية الفراغ الذي يتسبَّب به؟ وماذا عن مفاوضات إيران النووية ونتائجها عراقياً ولبنانياً وسورياً؟ هل سيؤدّي أيّ اختراق في هذه المفاوضات إلى انتخاب رئيس تسوية، بحيث يضطرّ «حزب الله» إلى مصارحة حليفه بأنّه لم يعُد قادراً على تأخير التسوية؟

راكب الدرّاجة الهوائية يسير في الفراغ ويعشق الفراغ في انتظار هذه اللحظة، التي إذا أتَت ستُحدث موجة عصفٍ عاتية تطيح بآخر أحلام راكب الدرّاجة، عندها سيكون الدَوس إلى الأمام مجرّد هروب بلا هدف، وسيختتم الحلم محطّماً، إلّا من بعض صراخ بلا صدى.