Site icon IMLebanon

موفد مالي أميركي «مُتشدِّد» في بيروت

 

على وقع المواجهة المفتوحة بين واشنطن وطهران وحلفائها، تستقطب الساحة اللبنانية مزيداً من الموفدين الأميركيين. فبعد نائب وزير الخارجية الأميركية للشؤون السياسية ديفيد هيل وقائد المنطقة الوسطى الأميركية الجنرال جوزف فوتيل، يصل الى بيروت في الساعات المقبلة مساعد وزير الخزانة الأميركية لشؤون مكافحة تمويل الإرهاب ماريشال بيللينغسليا في مهمة استثنائية لمراقبة تنفيذ العقوبات التي تستهدف المنظمات الإرهابية والتثبّت من تطبيقها. وعليه، ما الذي يريده؟ وما هو المنتظر؟

 

تنتظر بيروت في الساعات المقبلة وصول ماريشال بيللينغسليا (Billingeslea Marechal) على رأس فريق من معاونيه من الخبراء الماليين من وزارة الخزانة الأميركية، وعدد من مسؤولي البنوك الأميركية الكبيرة التي تشكل وسيطاً مالياً دولياً بين واشنطن والعالم، المُكلفين مراقبة حركة الأموال الدولية بغية مواجهة المجموعات التي تمتهن تبييض الأموال بين الدول، وتجفيف الأموال التي تشكل مصدر تمويل للمنظمات الإرهابية التي تلاحقها واشنطن في مختلف انحاء العالم ومنها «داعش» و»حزب الله»، خصوصاً في الشرق الأوسط.

 

ليست المرة الأولى التي يزور بيللينغسليا فيها لبنان، فهو مكلّف بهذه المهمة منذ سنوات عدة، وسبق له أن زار بيروت قبل عام حيث أمضى فيها يومي 22 و23 كانون الثاني 2018 جالَ خلالهما برفقة السفيرة الأميركية اليزابيت ريتشارد على جميع المسؤولين اللبنانيين بلا استثناء، وشملت جولته كلّاً من رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، رئيس مجلس النواب نبيه بري، رئيس الحكومة سعد الحريري، وزير المال علي حسن خليل، حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، رئيس لجنة الرقابة على المصارف سمير حمود، وأركان جمعية مصارف لبنان، وأعضاء اللجنة الإدارية في اتحاد المصارف العربية.

 

بداية، تجدر الإشارة الى انّ مهمة الموفد الأميركي الجديدة أدرجت رسمياً كما ارادت الإدارة الأميركية في وضع برنامج عمله تحت عنوان «الشراكة اللبنانية ـ الأميركية في مجالات مكافحة تمويل الإرهاب». فلبنان شريك أساسي في هذه المهمة، وملتزم بتطبيق كل القرارات والقوانين التي ترعى حركة الأموال غير الشرعية في العالم، وخصوصاً عبر المصارف الأميركية الوسيطة بين مختلف القطاعات المصرفية في العالم. ولذلك، سيتركّز النقاش على طريقة تنفيذ هذه القرارات، وخصوصاً تلك التي تعني القطاع المصرفي في لبنان على قاعدة «الشراكة الوثيقة التي تقيمها الحكومة الأميركية مع المصرف المركزي والمؤسسات المالية اللبنانية». فلا يمكن تجاهل إصدار الكونغرس الأميركي قبل أشهر قانوناً جديداً بهدف ملاحقة ما يسمّى «التمويل الدولي» لـ»حزب الله»، والمعروف بقانون (HIFPA II)، الذي تمّ تعديله أخيراً من أجل أن «يستهدف الأنشطة المالية لـ»حزب الله» في كل أنحاء العالم» وبنحو منفصل عن بقية القوانين المشابهة. كذلك يحدد آلية مراقبة مصادرها والسعي الى تجفيفها وقطعها نهائياً كما بقية المنظمات المستهدفة بالقرارات الأميركية المماثلة.

 

من الواضح انّ الجانب اللبناني فهم ويتفهّم مضمون الرسالة الأميركية ومهمة الوفد قبل وصوله الى بيروت. فالمفاوضات جارية في بيروت وواشنطن، ولم تنقطع الرسائل التي نقلها الموفدون الأميركيون. واكدت بيانات أميركية سابقة، ومنها البيان الذي صدر العام الماضي عن السفارة الأميركية في بيروت في نهاية جولة بيللينغسليا- والذي يمكن اعتبار انّ مضمونه ما زال ساري المفعول – عندما قال في وصفه للزيارة ما حرفيّته: «مناقشة مكافحة عمليات التمويل غير المشروع» ومكافحة «النشاط الإيراني المؤذي في لبنان»، طريقة تثبيت التزام الولايات المتحدة مساعدة لبنان على حماية نظامه المالي من «حزب الله» وتنظيم «داعش» ومنظمات إرهابية أخرى. مع التشديد على اللبنانيين «اتخاذ كل التدابير الممكنة لضمان أن لا يكون «حزب الله» جزءاً من القطاع المالي».

 

وشدد البيان، بالإضافة الى هذه الشراكة الأميركية ـ اللبنانية، على «أهمية الالتزام بالعقوبات الأميركية» مقابل «التزام الولايات المتحدة العمل مع لبنان لحماية نظامه المالي وتعزيزه ودعم لبنان القوي والمستقر والمزدهر».

 

وفي المعلومات انّ الموفد الأميركي يحمل معطيات جديدة تتصل باستخدام جهات عربية إرهابية النظام المصرفي اللبناني لتهريب وتبييض الأموال، او تخصيصها لأعمال ارهابية سعياً للتثبت منها. وفي إحدى الروايات انّ مصرفين لبنانيين أو ثلاثة استخدموا عن قصد او غير قصد في هذه العمليات، ومنها ما سمح بعبور 3 مليارات من «الدولارات العربية» عبر نظام أحد المصارف اللبنانية الذي وضع تحت المراقبة منذ فترة الى جانب مصرفين آخرين، حسبما كشفت المرحلة الأولى من التحقيقات. وفي انتظار استكمالها والتحقق من بعض التفاصيل، يتوقع ان تتخذ الإدارة الأميركية قرارات صارمة بحق المسؤولين في هذه المصارف قياساً على حجم الخطأ المرتكب في حالتي المعرفة المسبقة بالعملية المالية، او في حال حصول خرق مالي غير متعمد.

 

وعلى هذه الخلفيات ينتظر لبنان الموفد الأميركي – المعروف لديه جيداً – بعدما فتح الملفات السابقة التي كانت موضوع نقاش وضمّت الى الجديد المتوافر من الإجراءات الأميركية والتقارير التي وصلت في المراسلات الأخيرة، وتلك التي يحملها الموفد الأميركي معه، ولاسيما منها تلك التي تتصل بالدعوى الأميركية امام احدى المحاكم الخاصة ضد 12 مصرفاً لبنانياً إتهمهم مصابون اميركيون، إدّعوا انهم من المتضررين من حرب العراق، بتمويل «حزب الله» ومجموعات ميليشيوية عراقية. على رغم من أنها دعوى خاصة بالقضاء الأميركي ولا تتصل بأي شكل من الأشكال بالآلية المصرفية والمالية التي تديرها وزارة الخزانة الأميركية رسمياً.

 

وبناء على ما تقدم ينتظر لبنان الرسمي، ومعه المسؤولون في القطاعين المالي والمصرفي، زيارة بيللينغسليا لمناقشة آخر التطورات في قوانين العقوبات الأميركية ومدى انعكاساتها على لبنان، في وقت يعاني القطاع المصرفي هجمة بالغة الخطورة تتزامن وأزمة اقتصادية اكثر خطورة، وهو ما أكسبَ الزيارة هذه المرة أهمية بالغة. فهي تجري في توقيت دقيق جداً، تتزاحم فيه الملفات المالية مع الأمنية وتلك الخاصة بتشكيلة الحكومة المتعثرة.