IMLebanon

القلق من «شظايا» العقوبات وراء تصعيد جنبلاط «وعناد» الحريري

القلق من «شظايا» العقوبات وراء تصعيد جنبلاط «وعناد» الحريري
باسيل «يغسل يديه» من الأزمة ويعيد «الكرة» الى الرئيس المكلف

كتب ابراهيم ناصرالدين

لم تصل الاتصالات الخاصة بتشكيل الحكومة اللبنانية الى النتائج المرجوة بعد، وما قام به وزير الخارجية في حكومة تصريف الاعمال جبران باسيل خلال لقائه نواب «اللقاء التشاوري» امس هو «غسل يدي» فريقه السياسي ورئاسة الجمهورية من الازمة الراهنة، من خلال اعادة «الكرة» الى «ملعب» رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري الذي ما تزال «سقوفه» عالية في هذا الاطار، ويرفض حصر صلاحياته بالتمثيل السني، كما اقترح باسيل، كما انه لا يزال على موقفه الرافض دخول اي من نواب سنة «8 آذار» الى الحكومة، وهو امر يعيد الازمة الى مربعها الاول، بانتظار تراجع «بيت الوسط» عن «العناد»، والاعتراف اولا بحقهم التمثيلي، ثم الذهاب الى الحل الذي يعرفه الجميع، ويحاول الحريري المكابرة والرهان على الوقت برفضه ، اي القبول بتمثيل من يقبل له هؤلاء من حصة الرئيس ميشال عون الذي لم يعد لديه مانع بالقيام بهذه الخطوة، لكنه لم يقرر بعد «ضرب يده على الطاولة» ويعطي الرئيس المكلف الوقت اللازم لتبريد «شارعه» قبل الذهاب الى التسوية المنشودة، كما تقول اوساط مقربة من بعبدا.

في غضون ذلك، وفي معلومات قد تفسر حالة الاستعصاء الحكومي، اكدت اوساط وزارية بارزة انها اطلعت على مضمون نصائح ديبلوماسية اوروبية واميركية قدمت «للحلفاء» في لبنان، تتمحور عند نقطتين، الاولى الابتعاد عن حزب الله، قدر الامكان، وفي الوقت نفسه عدم الالتصاق بولي العهد السعودي محمد بن سلمان خوفا من «الغرق» معه اذا ما استمرت الضغوط داخل الولايات المتحدة الاميركية على الرئيس دونالد ترامب الذي سيجد نفسه مضطرا الى اتخاذ موفق منه على خلفية الشبهات بتورطه في مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي.

وفي هذا الاطار، جاءت المواقف الداعمة للخطوات القضائية السعودية من قبل رئيس الحكومة سعد الحريري، ورئيس القوات اللبنانية سمير جعجع، وقبل ساعات من رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط، لتظهر الدعم التام للرياض، بعيدا عن استنكار الحملات الاعلامية الاميركية او التركية ضد ولي العهد، مع العلم ان «امر العمليات» السعودي المعمم على حلفاء المملكة في المنطقة لم يحدد المطلوب منهم على نحو تفصيلي وانما جاء على شكل ضرورة اصدار مواقف تدين الحملة السياسية والاعلامية التي تستهدف الدور السعودي الريادي في تحقيق الاستقرار في المنطقة.

ماذا قال ماكرون للحريري؟

ووفقا لتلك الاوساط، نصح الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون الرئيس الحريري بعدم الانسياق كثيرا وراء ضغط ولي العهد السعودي عليه لابراز دعمه الشخصي له، كما حصل مؤخرا في مؤتمر «دافوس الصحراء»، لان الامر قد تكون له تداعيات سلبية عليه داخل الرياض، اذا ما حصلت تغييرات «دراماتيكية» داخل العائلة المالكة هناك وجاء الى «السلطة» من هو على خلاف مع ولي العهد الحالي.. ووفقا للتقديرات الفرنسية لا شيء محسوم حتى الان في السعودية، لان الامر بات بيد «الدولة العميقة» في الولايات المتحدة الاميركية، ولا احد يمكنه التكهن بما سيؤول اليه الصراع في واشنطن بين الرئيس ترامب و«خصومه» المنتشرين داخل المؤسسسات الامنية والسياسية الاميركية والذين يخوضون معركتهم معه من خلال «التصويب» على محمد بن سلمان، ولهذا كانت نصيحة ماكرون للحريري بضرورة الحذر في خطواته والتزام الحد الادنى من الدعم العلني المطلوب منه للمملكة وليس لاشخاص محددين.

«نصائح» لجنبلاط وجعجع

على الضفة الاخرى، تلقى كل من جنبلاط وجعجع «نصائح» مماثلة من «اصدقاء» اميركيين بعضهم في الكونغرس، بعدم الاندفاع لخوض معركة ولي العهد السعودي سياسيا والاكتفاء بالمواقف العامة المؤيدة للسعودية، وجاءت هذه النصائح بعدما طلب كل من رئيس «الاشتراكي» «والقوات» المشورة اللازمة من اصدقاء اميركيين، وبعضهم مشتركون، ازاء تطورات الاوضاع في السعودية والمواقف الاميركية منها وخصوصا ما سيترتب من نتائج على العلاقة مع ولي العهد السعودي، فكانت الاجابات واضحة لجهة «ضبابية» الموقف وصعوبته بسبب الانقسام الحاد في واشنطن ازاء هذه المعضلة، لكن النصيحة كانت واضحة، «اذا كنتم قادرين على الابتعاد مسافة معقولة عن ابن سلمان، فلا تترددوا»…

«تظهير» الخلاف مع حزب الله

وفي سياق متصل، لفتت تلك الاوساط الى ان المصادر الغربية نصحت في الوقت نفسه الحلفاء في لبنان بتظهير الخلاف مع حزب الله والابتعاد عنه لتفادي «شظايا» العقوبات الاميركية «القاسية»، واذا كانت القوات اللبنانية لا تحتاج الى نصيحة مماثلة، فان النائب السابق وليد جنبلاط قرأ جيدا «الرسائل» وقرر العودة «خطوة الى الوراء»، وهذا ما يفسر تصعيده الاخير ضد الحزب وايران بعد «هدوء» استمر نحو 10 سنوات، كان آخرها عشية 7 ايار 2008 وهو ذهب بعيدا في حملته الجديدة من خلال الاشارة الى ان عرقلة تشكيل الحكومة من باب افتعال العقدة السنية تأتي في إطار رد فعل إيران وحزب الله على العقوبات الاميركية الاخيرة.

ووفقا لتلك الاوساط، لا يراهن جنبلاط في كلامه على حصول اي تغييرات جدية في موازين القوى في المنطقة، ولا يريد ايضا الصدام مع حزب الله، لكنه يرغب في «ايصال» «الرسائل» المطلوبة الى كل من يعنيهم الامر، بأن «المساكنة» مع الحزب لا تعني ابدا «المهادنة»، وهو بذلك يريد ان يحمي مصالحه مسبقا، من خلال ايجاد المسافة الآمنة عن الحزب… وهو الامر نفسه الذي اختاره الرئيس المكلف سعد الحريري الذي افتعل «العقدة السنية» لإظهار خلافه العلني مع «حارة حريك» في مرحلة حساسة ومفصلية يخشى الجميع منها خصوصا ان العقوبات الاميركية قد تكون «عمياء»…

«عقوبات قاسية»

وبحسب تلك الاوساط، قالت المصادر الغربية انه ليس من السهل تقدير مفاعيل تلك العقوبات، لكن ما هو منتظر من قرارات تنفيذية قد ينبئ بما هو آت في القريب العاجل او على المدى البعيد. ففي حسابات المراجع المالية ان العقوبات المالية التي وضعت تحت عنوان تجفيف منابع تمويل الحزب لا تعني القطاع المصرفي اللبناني ولا الدورة الإقتصادية العادية… لكن ما هو منتظر من باقي العقوبات قد يكون أشد وطأة على البعض خصوصا عند تحديد العقوبات التي لن تشمل فقط البيئة الحاضنة للحزب، ولذلك فان التحذيرات الغربية تحدثت عن الانعكاسات السلبية المتوقعة على «الطبقة السياسية» اللبنانية من خلال فرض عقوبات على مسؤولين لبنانيين حكوميين وحزبيين في المجالات العامة والبلديات والمؤسسات المستقلة والقطاعات الاقتصادية، وقالت ان ما هو متوقع سيكون «اكثر ايلاما» مما يتصوره البعض واكثر صعوبة.

«استراتيجية» حزب الله

من هنا جاء جواب الرئيس الحريري على الاسئلة الخاصة بتولي الحزب مسؤولية وزارة الصحة بالقول «يصطفلوا» لقد حذرتهم… وفي رأي تلك الاوساط، فان المخاوف الجدية على احتمال فرض عقوبات على القطاع الصحي لا تزال قائمة، وكذلك على قطاعات اخرى، ولهذا يحاول الجميع على الساحة اللبنانية «غسل اليد» من التقارب مع حزب الله، بمن فيهم وزير الخارجية جبران باسيل الذي يحاول في بعض الملفات التمايز لابعاد «شبح» العقوبات عن التيار الوطني الحر، وكذلك فعل رئيس الجمهورية من خلال موقفه العلني الاخير حيال الازمة الحكومية، ومن هنا يمكن فهم طبيعة الحراك السياسي على الساحة اللبنانية الذي يمشي على ايقاع العقوبات الاقتصادية الاميركية، ومصير ولي العهد السعودي محمد بن سلمان… في المقابل يعمل حزب الله على «موجة» أخرى لها علاقة بتوازنات اقليمية تمتد من اليمن مرورا بالعراق وسوريا وصولا الى فلسطين بحسب اوساط مقربة من الحزب والتي ترى ان كل هذا التهويل في غير مكانه، وتنصح الجميع بعدم الرهان على الخارج من جديد.

«التعثر» الحكومي

تلفت اوساط نيابية مطلعة على مجريات اللقاء بين وزير الخارجية ونواب «اللقاء التشاوري» الى ان باسيل كان وضحا امامهم عندما ابلغهم بالامس ان رئيس الجمهورية قام بما عليه وقدم تنازلا جديدا لتسهيل «ولادة» الحكومة، والان جاء دورهم ودور الرئيس الحريري للتراجع «خطوة الى الوراء» وتقديم التنازل المطلوب…لكن مصادر هؤلاء النواب تؤكد ان الخطوة الاولى المطلوبة هي من الرئيس المكلف الذي عليه اولا الاقرار بحقهم في ان يمثلوا في الحكومة، وعندها يمكن البحث في «المخارج» حول طبيعة هذا التمثيل، وقبل حصول هذه الخطوة من «بيت الوسط» لا يمكن تقديم اي تنازلات والموقف لا يزال على حاله لجهة ان يختار الحريري اي اسم من بينهم لا يعتبره استفزازيا.. وفي هذا السياق توقف تلك الاوساط عند عدم وجود بين يدي الوزير باسيل اي «مبادرة» واضحة من الرئيس المكلف على الرغم انه التقاه اكثر من مرة في الساعات القليلة الماضية، والان «الانتظار» هو «سيد الموقف» لمعرفة مدى قدرة وزير الخارجية على اقناع الحريري بضرورة الاسراع في عقد لقاء مع «التشاوري»، وعندئذ «يبنى على الشيء مقتضاه»..

«المشكلة سنية- سنية»

وعلى قاعدة أنه «لن يكون للمصلح ثلثين القتلة»، كما قال باسيل، تحرك وزير الخارجية على خط «اللقاء التشاوري» واضعا فريقه السياسي خارج الازمة «كي» لا يدفع الثمن» من «كيسه» متخليا عن البعد الوطني للازمة، محاولا حصرها «بالبيت السني»، وهو قال بعد الاجتماع ان «اللقاء كان صريحا، وأبدينا ملاحظاتنا بهدف الوصول إلى الحل». وطلب باسيل من الأطراف المعنيين بالعقدة مباشرة، أن يتم اللقاء بينهم للوصول إلى حل… وشدد على ان رئيس الجمهورية العماد ميشال عون «ليس طرفا في هذه الإشكالية التمثيلية، وهو ليس لديه مشكلة، بوزير سني من «اللقاء التشاوري» أو بوزير من «المستقبل.. من جهته، قال النائب عبد الرحيم مراد: لقد أعدنا التأكيد على تمثيل أحدنا وعلى الرئيس سعد الحريري أن يقتنع ويقدم تنازلات وسنتحاور معه»، معتبرا «ان رفضه اسما من بيننا هو عناد»… وقد طرح باسيل ألا يجري تبادل بين وزير سني ووزير مسيحي من حصتي رئيس الجمهورية والرئيس المكلف وان يكون السني الذي يمثل قوى 8 آذار من الوزراء السنة الستة… وجرى الاتفاق مع النواب الستة على عقد لقاء مع الرئيس المكلف سعد الحريري.

«اجواء سلبية»

من جهتها اكدت اوساط تيار المستقبل ان الرئيس الحريري لا يزال على موقفه وليس في صدد تقديم المزيد من التنازلات والتسهيلات في سبيل التشكيل، ولفت الى ان شيئا لن يجبره على ضم أحد «خصومه» من النواب السنة إلى الحكومة. ولفتت تلك الاوساط الى ان محاولة «غسل» الوزير باسيل «يديه» من الازمة من خلال القول ان رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، غير معني بالمشكلة يعقد الامور اكثر مما هي «معقدة»، اما محاولة التراجع عن «المقايضة» بين رئيسي الحكومة والجمهورية ونزع وزير مسيحي من الحريري وتدفيعه «الثمن» سنيا، فهو طرح «غير منطقي»، لأنه يحصر صلاحيات الرئيس المكلف في المربع السني وهذا ما يتعارض مع صلاحياته ومع الاعراف والدستور…ولذلك لن يقبل الحريري طرحاً مماثلاً، وهذا يعني ان «الشلل» الذي يصيب المحركات الوزارية قد يصبح «كوما» اذا ما استمرت الامور على هذا المنحى..