بري : «القلة بتولد النقار» والبواخر أرهقت الخزينة ولا مجال للعودة اليها
محمد بلوط
الوضع المالي يكاد يختصر كل الاهتمامات بسبب دقته وصعوبته وتداعياته الخطرة اذا ما استمر بالانحدار على هذا المنوال.
صحيح ان المسؤولين والاطراف المشاركة في الحكومة قد رفعوا الصوت عاليا محذرين من استمرار مثل هذا الوضع ومطالبين بالاسراع في الخطوات الاصلاحية، إلاّ ان الصحيح ايضا ان هذا الكمّ من التحذيرات ودق ناقوس الخطر خلق نتائج سلبية مباشرة تمثلت باتساع دائرة القلق لدى المواطنين التي كثرت اسئلتهم ومخاوفهم على المصير.
بلغ عمر الحكومة اكثر من شهرين ولم تقدم حتى الآن على أي خطوة عملية مؤثرة لوقف هذا التدهور في الوضعين الاقتصادي والمالي، بل انها لم تعمد الى حسم الخطوة الاساسية للجم هذا الوضع وهي الموازنة للعام 2019 التي كان من المفروض ان تكون في مجلس النواب في بدء عقد تشرين الاول للمجلس.
وها هي الحكومة اليوم ما تزال في دائرة الانتظار رغم ضرورة وأهمية اقرار الموازنة قبل اليوم، فهل ستباشر مناقشتها واقرارها وإحالتها الى المجلس في غضون الاسبوعين او الثلاثة المقبلة ام أنها ستستهلك المزيد من الوقت بينما تحتاج البلاد لكل يوم يمر من أجل التصدي لمشاكلنا الاقتصادية والمالية؟
وزير المال علي حسن خليل كان انجز الموازنة منذ ايلول الماضي ثم عكف على اجراء تعديلات فيها لاحقاً بعد أن فضّل الرئيس الحريري عدم اقرار الموازنة في حكومة تصريف الاعمال السابقة رغم تأكيد وإلحاح الرئيس بري على ذلك مستنداً الى تفسير الدستور وخبراء اعلى المراجع الدستورية.
ووفقاً للمعلومات فإن الوزير خليل اجرى تخفيضات اضافية وصفت بتخفيضات الحدّ الادنى على موازنات الوزارات والادارات والمؤسسات في اطار سياسة التقشف وترشيد الانفاق المعتمدة في محاولة لتخفيض العجز بنسبة تتراوح بين 2 و3 بالمئة.
وفي توصيف للوضع الصعب القائم قال مصدر نيابي بارز أمس ان الوضع المالي بات مزريا جداً (قاصداً وضع الخزينة).
واضاف هناك سباق حقيقي مع الزمن لمعالجته ووقف تدهوره وتستند عملية الاصلاح او المعالجة بالدرجة الاولى الى الحدّ من الانفاق والتفتيش عن سبل زيادة الايرادات.
وقال المصدر ان الاولوية كما عبر الرئيس بري في لقاء الاربعاء النيابي هي لاقرار الموازنة، داعيا الى انتظار الايام المقبلة بعد ان عاد رئيس الحكومة من باريس.
واضاف «اذا كانت خطة الكهرباء ستدرج على جدول اعمال مجلس الوزراء المقبل، وهذا امر ضروري ايضاً للمعالجة والاصلاح، فإن المطلوب التسريع في درس الموازنة وإحالتها الى مجلس النواب في اقرب وقت»، متسائلاً عن اسباب التأخير وهل هي مرتبطة بقطع الحساب والحسابات المالية.
ورأى المصدر النيابي البارز ان مباشرة الحكومة درس واقرار الموازنة واحالتها الى المجلس النيابي ستشكل رسالة اطمئنان للداخل والخارج لما لها من دلالات على صعيد تحديد سقف النفقات وتحقيق الاصلاحات الضرورية المطلوبة لان في ذلك خطوة اساسية ومهمة لوقف قطار الانحدار الحاصل، وان الموازنة تشكل اول خطوة مهمة لفرملة هذا الانحدار للوضع المالي.
وفي خصوص موضوع الكهرباء ينتظر ان يعقد مجلس الوزراء جلسة له الاسبوع المقبل لاستكمال مناقشة الخطة المقترحة من وزيرة الطاقة.
ويبدو ان الاجواء لا تؤشر الى اقرارها في هذه الجلسة نظرا للملاحظات والاعتراضات على بعض بنودها من قبل اكثر من طرف داخل الحكومة.
وبرز في هذا المجال الاشتباك المستمر بين طرفين سياسيين اللذين يأخذان على الخطة اكثر من مأخذ.
وقد صرحت وزيرة الطاقة ندى البستاني في تغريدة لها امس «ان يدنا ما زالت ممدودة وآذاننا صاغية لكل ملاحظات هادفة وانتقاد بناء لخطة الكهرباء».
وقال وزير القوات كميل ابو سليمان ان هناك ثوابت للقوات عرضتها بشأن ملف الكهرباء، وناقشنا ملاحظاتنا بشأن الخطة في اللجنة الوزارية بجدّية وايجابية، ونحن مستعجلون اكثر من غيرنا لإقرارها، ونأمل التجاوب مع ملاحظاتنا والملاحظات ليست محصورة بالقوات اللبنانية».
وعلم ان الملاحظات والخلافات لا تنحصر حول بند واحد بل تشمل اكثر من بند. وترى جهات سياسية مشاركة في الحكومة ان الصياغة في الخطة حول الانتاج في المرحلة قصيرة الأمد توصي بإبقاء خيار البواخر، بل تؤدي الى هذا الخيار.
وتقول المصادر : الخطة ملغومة في بعض البنود ولعل الفاقع فيها هو انها تلحظ استملاكات بنحو مئتي مليون دولار للاراضي التي ستقام عليها معامل الانتاج، وان هذه الاراضي المحددة للاستملاك يقال ان نافذين سبق ان اشتروها قبل فترة غير بعيدة.
وأمس جدد الرئيس بري موقفه وقال امام الزوار ردا على سؤال عن الوضع المالي والاقتصادي «ليتهم سمعوا كلامي واقررنا الموازنة قبل تأليف الحكومة الحالية، ولو قمنا بذلك لكنّا وفّرنا علينا الكثير من المشاكل، والان اكرر القول ان الموازنة هي اولى الاولويات، ولم يعد هناك اي مجال لمزيد من الانتظار».
واضاف «ان درس الموازنة واحالتها الى المجلس النيابي يفترض ان يجري بالتوازي مع خطوات اخرى يجب ان تقوم بها الحكومة ومنها على سبيل المثال لا الحصر حل معضلة الكهرباء.
وصول الكهرباء قال بري: «سبق أن قلت انني ألمس ايجابية في مقاربة هذا الملف، وهذا ما ظهر في الجلسة الاولى لمجلس الوزراء في مناقشة خطة الكهرباء المقترحة، لكنني اعود واقول ان مضمون هذا الملف يتطلب شفافية مطلقة».
وحول موضوع البواخر قال: «لقد جربنا البواخر وكانت النتيجة كلفة كبيرة وارهاقاً للخزينة. والآن صارت البواخر جرصة، ولا اعتقد ان هناك مجالا للعودة اليها».
وامام احد الوفود قال: المثل يقول «القلة بتولد النقار»، لذلك علينا بذل كل جهدنا من اجل معالجة الوضع المالي والاقتصادي في أقرب وقت، والموازنة اولى هذه الخطوات وجدد القول: الوضع الامني في افضل حالاته ويسبق كل البلدان، وهذا يسجل منذ 2006 حتى الان.
