IMLebanon

الديار: كيف استطاع رياض سلامة إنقاذ الوضع المالي والنقدي والإقتصادي؟ هيل يُشيد بقيادة الرئيس عون

 

عادةً القيادة السياسية تُعالج.. لكن رياض سلامة وجد نفسه وحيدا فتحمّل المسؤولية بغياب الحكومة

صندوق النقد الدولي والبنك الدولي قرّرا اعتماد خطّة سلامة ودعم السياسة النقدية التي قرّرها

المحلّل الاقتصادي

 

السياسة الاقتصادية في الاقتصادات الحرّة مقسومة إلى قسمين: السياسة المالية وهي من مهام الحكومة والسياسة النقدية وهي من مهام المصرف المركزي.

 

وتتناول السياسة المالية الإجراءات التي تتخذها الحكومة إن بواسطة مراسيم أو من خلال قوانين (يُصوّت عليها المجلس النيابي)، الشق الاقتصادي والمالية العامة. وبالتحديد يدخل ضمن صلاحيات الحكومة تنظيم القطاعات الإنتاجية ودعمها ماليا إن من خلال السياسة الضريبية أو من خلال الخدمات التي تقدّمها لهذه القطاعات (مثلا المدن الصناعية). أيضًا تقوم الحكومات بوضع السياسات الاجتماعية التي لها علاقة بمحاربة الفقر والتوزيع العادل للثروات والإنماء المناطقي والطبابة والتعليم والسكن والثقافة والرياضة والبنى التحتية. كما أن السياسة البيئية هي عنصر أساسي من السياسات المالية للحكومات وذلك منذ سبعينات القرن الماضي حيث أصبحت السياسات الإنمائية عبارة عن تقاطع بين السياسات الاقتصادية، والسياسات الإجتماعية والسياسات البيئية.

 

من جهتها، تتناول السياسات النقدية الإجراءات التي يتخذها المصرف المركزي للحفاظ على الاستقرار النقدي ودعم السياسات المالية للحكومات والحفاظ على استقرار النظام المالي. وتشمل هذه الإجراءات عددا من الأدوات التي تضعها النظرية النقدية بين يدي المصرف المركزي أو ما يُعرف بالسياسات التقليدية، بالإضافة إلى السياسات الاحترازية التي تطال بالدرجة الأولى القطاع المصرفي والسياسات غير التقليدية مثل الهندسات المالية.

 

الشلّل الحكومي ميزة عقود من الحكم

 

المُشكلة التي يواجهها لبنان منذ اتفاق الطائف وحتى اليوم أن توزيع سلطات رئيس الجمهورية على الحكومة مُجتمعة، فرض أخذ القرارات الحكومية بالتوافق وإذا تعذّر بالتصويت (المادة 65 من الدستور). إلا أن كل الحكومات المتعاقبة وبحجّة التوافق الوطني لم تلجأ إلى التصويت وقامت بتعليق كل الملفات والقرارات التي لا يكون فيها توافق للمكونات الأساسية في البلد. من هذا المُنطلق، تعطّلت القرارات الحكومية بشكل كبير! وحتى حين كانت القرارات تُتخذ، لم يكن يتم تنفيذها على الأرض.

 

وما غياب الخطط الاقتصادية والسياسات المالية للدولة إلا دليل على الشلل الحكومي الذي منع السلطة من القيام بما يلزم لأخذ البلد نحو الإنماء، وكما يقول أحد الخبراء المخضّرمين: كل المصالحات التي تمّت بين الأفرقاء السياسيين، كانت تتمّ على حساب الخزينة العامّة!

 

إذا غابت السياسات المالية وبالتالي أصبحت السياسة الاقتصادية عرجاء برجل واحد هي السياسة النقدية التي استطاعت إنقاذ لبنان من السقوط وذلك منذ عقود. نعم السياسة النقدية هي من أنقذت لبنان باعتراف صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وحتى وكالات التصنيف الائتماني ومراكز الأبحاث الاقتصادية. فحاكم مصرف لبنان رياض سلامة آمن ومنذ البداية بأهمية الثبات النقدي كعنصر أساسي في الأمن الإجتماعي وعمل منذ تسلّمه سدّة الحاكمية في العام 1993 على تدعيم هذه السياسة عملا بالمهمة الأولى الموكلة إليه في المادة 70 من قانون النقد والتسليف. ونجح رياض سلامة من خلال السياسات النقدية التقليدية في تثبيت سعر صرف الليرة اللبنانية مما حمى ملايين العائلات اللبنانية من خطر انخفاض سعر الصرف.

 

العدوان الاسرائيلي في تموز 2006، وأحداث 7 أيار، والأزمة السورية والفراغ الرئاسي… كلها أحداث كانت لتُطيح لبنان نقديا لولا حكمة سلامة وقدرته على استنباط الحلول. فالتفجيرات التي حدثت في العام 2013 وأول العام 2014، والإرهاب الداعشي الذي سيطر على المناطق الشرقية في لبنان، وضعف النشاط الاقتصادي دفع بسلامة إلى تنفيذ هندسة مالية في العام 2016 أنقذت لبنان من الانهيار بحسب تقرير صندوق النقد الدولي في العام 2016، وتقرير البنك الدولي في العام 2017.

 

ولم يكتف سلامة بالقيام بالمهام المطلوبة منه في قانون النقد والتسليف في أحلك الظروف، بل قام بجزء من مسؤوليات الحكومة عبر دعمه الاقتصاد برُزَمْ تحفيزية من العام 2013 وحتى الساعة. وهذا الأمر جعل لبنان يتمتّع بنمو (ولو ضئيل) على مدى كل هذه السنين. وقد طالت هذه الرزم التحفيزية، القطاعات الإنتاجية من صناعة وزراعة وخدمات ولكن أيضاً السكن والتعليم والثقافة والاقتصاد الأخضر…

 

يقول أحد المسؤولين في أحد الأجهزة الأمنية، ان رياض سلامة ومنذ العام 2004 وهو يُردّد على مسامع السياسيين أنه لا يُمكن الاستمرار على هذا النحو من العجز في الموازنة وغياب الخطط الاقتصادية وتفشّي الفساد. وأضاف أن سلامة أخطأ في عدم مصارحة الرأي العام بما يعرفه عن السياسيين وعن فشلهم في إدارة الدولة.

 

إستمر رياض سلامة في دعم الدولة اللبنانية ماليا حتى وصلنا إلى مرحلة أصبحت الدولة تعيش على حساب مصرف لبنان حيث أن الحكومة اللبنانية أصبحت عاجزة عن دفع أجور القطاع العام ودفع استحقاقات الدين العام وغيرها من المصاريف الإضافية. نعم مصرف لبنان هو من يقوم بدفع استحقاقات الدولة وما زال سعر صرف الليرة اللبنانية ثابتاً على رغم الفتات الذي تمّ تركه للصيارفة.

 

هذه التضحيات التي يقوم بها رياض سلامة والفعالية العالية في إنقاذ الدولة اللبنانية، يُقابلها أناس جحودون يقومون بالتهجّم على رياض سلامة عبر القول انه يُربح المصارف أموالا كثيرة في حين أن الأرباح التي حققتها المصارف في العام 2016، ألزمها رياض سلامة بضخها في رأسمالها قبل نهاية حزيران القادم. نعم هذا الرجل كان رؤيوياً وعلم مُسبقا أننا سنصل إلى هذا المستوى من التراجع المالي والاقتصادي.

 

صحيح أن جهود رياض سلامة على مرّ السنين لم تلقَ استحسان العديد من الطامحين في لبنان، إلا أنها لقيت استحسان صندوق النقد الدولي والبنك الدولي اللذين قررا اعتماد خطّة سلامة ودعم السياسة النقدية التي قرّرها. نعم هذا ما قررته هذه المؤسسات نظرا إلى الصوابية في امتصاص الأزمات التي خلّفتها الصراعات السياسة. وما الواقع الحالي إلا أكبر برهان، إذ لم يذكر التاريخ أن بلدا في العالم استطاع الصمود في ظل ظروف كالظروف التي يعيشها لبنان من دون مساعدة خارجية.

 

الفترة المُقبلة لا تقلّ خطورة عن الفترة الحالية لا بل على العكس، إذا ما صحّت أقوال النائب إبراهيم كنعان الذي قال ان موازنة العام 2020 تنقصها إيرادات بقيمة 6500 مليار ليرة لبنانية! من سيدفع هذه الأرقام؟ بالطبع السلطة السياسة كلها تتطلّع إلى مصرف لبنان ليدفع فاتورة جديدة عن دولة عاجزة عن محاربة الفساد والهدر في أجهزتها ووزاراتها ومؤسساتها!

 

المجتمع الدولي يُطالب السلطات اللبنانية بحكومة نزيهة قادرة على تنفيذ الإصلاحات. وقد عبّر المبعوث الأميركي ديفيد هيل عن استعداد المجتمع الدولي لمساعدة لبنان إذا ما كانت الحكومة العتيدة على مستوى تطلعات الشارع اللبناني وذات كف نظيف. هيل الذي أشاد بالقيادة الحكيمة لرئيس الجمهورية العماد ميشال عون، طالب الرؤساء الثلاثة بحكومة سريعا.