Site icon IMLebanon

الديار: ما هو الخطأ القانوني الجسيم الذي يعرّض الدولة لحجز أموالها؟

الصيارفة بين الالتزام بتعميم سلامة او سحب رخصهم
ضربة قوية على الدولار وماذا سيحصل مع سندات اليوروبوندز؟ 

بروفسور جاسم عجاقة
 

لبنان كلّه مُعلق على ما سيصدر عن الإجتماع المالي اليوم وعن مجلس الوزراء الذي سيتلو قراراته رئيسه حسان دياب عند السادسة والنصف مساءً. وإذا كانت التوجّهات العامة في ما يخصّ الموقف الرسمي من دفع أو عدم دفع إستحقاق التاسع من أذار من سندات اليوروبوندز أصبحت شبه معروفة، إلا أن المجهول الأكبر يبقى ما ستتضمّنه الخطّة الإنقاذية التي ستُحدّد مصير المرحلة المُقبلة.

دفع إستحقاق 9 أذار أو عدم دفعه، لن يؤثّر كثيرا في الواقع بالمرحلة المقبلة باستثناء الشق القانوني الذي ما زال ينتابه غموض من ناحية قدرة صغار حاملي سندات اليوروبوندز على رفع دعاوى على الدولة اللبنانية في المحاكم الأميركية في نيويورك. فمثلا في إحدى أوراق الدعاية (Prospectus) الخاصة بسندات الخزينة بالدولار الأميركي والتي يعود تاريخها إلى 17 أيار 2018، هناك جملة واردة في الصفحة 139 تنصّ على ما يأتي: «Notes issued under the Program do not contain the collective action clause recommended by ICMA, which permits restructurings of securities across several classes.». وينص بند «collective action clause» على أنه بإمكان الغالبية المؤهلة من حاملي السندات ربط جميع حاملي السندات ضمن القضية نفسها بالشروط المالية لإعادة هيكلة الدين العام وذلك قبل وبعد التخلف عن السداد (majority restructuring provisions) . بمعنى أخر وجود هذا البند يضمن للدولة اللبنانية أن صغار حاملي السندات لن يكون بمقدورهم رفع دعاوى على الدولة اللبنانية في حال إتفقت مع الأغلبية المؤهلة على إعادة الهيكلة. ويأتي غياب هذا البند من شروط الإصدار ليطرح علامة إستفهام حول أسباب غياب هذا البند من شروط الإصدار حيث انه ومنذ تشرين الأول 2014، لم تعد شروط إصدار سندات خزينة بالدولار الأميركي التابعة للدولة اللبنانية تحوي هذا البند! من أخذ القرار بحذف هذا البند ومن يحمل المسؤولية؟ هذا السؤال برسم القضاء خصوصا أن الـ ICMA تنصح بوضع هذا البند ضمن شروط الإصدار.

في الواقع غياب هذا البند سيجعل مهمّة الحكومة صعبة جدًا إذ يتوجّب عليها التفاوض مع كل حاملي السندات في العالم في حال قرّرت إعادة هيكلة الدين العام تحت طائلة الملاحقة القانونية في المحاكم الأميركية، الإنكليزية أو الفرنسية مع قد ما يتبعه من حجز لأصول الدولة اللبنانية في الخارج!

عمليًا عند تعثّر دولة عن دفع ديونها، هناك شبه إستحالة للإقتراض في الأسواق، وهنا تبدأ التعقيدات القانونية التي تطال الدولة المعنية. من هذا المنطلق، يأتي دور صندوق النقد الدولي ليُقرض الدول المُتعثّرة في مقابل إعطاء الصندوق حق التدخل في السياسية المالية (من مهام الحكومة) والسياسية النقدية (من مهام المصرف المركزي) بالإضافة إلى حق الرقابة على التنفيذ.

آليات إعادة الهيكلة تتضمّن: الـ «swaps»، خفض قيمة الفوائد، إعادة الجدولة، إعطاء وقت إضافي للدفع، أو خفض قيمة رأس المال الاسمي (haircut). ولكن المُشكلة التي تعتري هذه الآليات أنها عادة تكون في إطار قانوني غامض مع كثرة اللاعبين والقوانين المرعية الإجراء.

للتفاوض مع حاملي السندات، هناك ناديان : نادي باريس ونادي لندن. الأول يهتم أكثر بالمقرضين ذوي الطابع العام، والثاني بالمقرضين ذوي الطابع الخاص. بالإضافة إلى هذين الناديين، هناك نواد خاصة لكنها تُعنى أكثر بعدد محدود من المقرضين. وفي حال تعثّر المفاوضات أو عدم رغبة أحد حاملي السندات بالتفاوض، يأتي دور المحاكم لحلّ النزاعات التي تنشأ بين حاملي السندات والدول وتُصبح هذه الأخيرة مُلزمة الخضوع للمحاكم الأجنبية مثل محكمة نيويورك أو لندن أو باريس. وينحصر دور هذه المحاكم في حفظ حقوق حاملي السندات وإلزام الدول احترام العقد الموقع أي شروط الإصدار، ومن بينها المساواة في التعاطي بين حاملي السندات (pari passu) أو إعادة جدولة الإستحقاقات… وكلها مشروطة بوجود بند «Collective Action Clause» الذي للأسف غائب عن شروط إصدار سندات اليوربوندز التابعة للدولة اللبنانية منذ العام 2014.

كل هذه التعقيدات القانونية، يُمكن تخطّيها من خلال تدخّل صندوق النقد الدولي الذي يقترح عادة عدّة برامج (Sovereign Debt Adjustment Facility) كلها مشروطة بخفض قيمة الدين العام من خلال إصلاحات هيكلية تهدف إلى خفض الإنفاق وتحسين القدرة الإنتاجية.

على كل الأحوال الوضع الحالي هو كالآتي:

– إذا دفعت الحكومة اللبنانية إستحقاق 9 أذار من سندات الخزينة، فهي ستواجه غضب الشارع الذي يعتبر أنه تمّ دفع هذه الأموال من الودائع.

– إذا رفضت الدفع ولم تتفاوض مع حاملي السندات، فإنه في صبيحة اليوم التالي ستكون هناك عشرات الدعاوى ضدّ الدولة اللبنانية في المحاكم الدوّلية.

– إذا رفضت الدفع وقامت بالتفاوض مع الأغلبية المؤهّلة، ستكون هناك إمكانية لأحد حاملي السندات لرفع دعوى ضد الدولة اللبنانية مع ما قد ينجم عنها من حجز لأصول الدولة في الخارج.

– إذا دفعت الفائدة على الإستحقاق فقط، يبقى خطر رفع الدعاوى ضدّ الدولة موجود لأنه بحسب العقد يجب دفع المبلغ.

ماذا سيقول الرئيس حسان دياب اليوم للبنانيين؟ هل سيُصارحهم بهذه الحقيقة أم معه في سلّته شيىء آخر؟ ساعات وسيعرف اللبنانيون الجواب، لكن الأهم مصارحة اللبنانيين عمن قام بحذف البند من شروط الإصدار!

مهما كان قرار الحكومة على هذا الصعيد، فالواقع المالي والإقتصادي والإجتماعي سيكون أسوأ في المرحلة المقبلة مع التضييق الدولي على لبنان ورفض معظم الدول التعامل مباشرة مع الدولة اللبنانية إلا عبر صندوق النقد الدولي وهو ما رفضته بعض القوى السياسية في لبنان.

التوقّعات للمرحلة المقبلة ترتبط بشكل وثيق بالخطة الإنقاذية التي ستُعلنها الحكومة اليوم. فغياب الخطّة أو وجود خطّة لا تستند الى مكافحة الفساد بالدرجة الأولى ستجعل المرحلة المقبلة مرحلة حافلة بالفوضى. أما إذا عرضت الحكومة خطّة إنقاذية مُقنعة للأسواق والرأي العام اللبناني، فإن المرحلة المقبلة ستكون أقلّ ضررًا على اللبنانيين وعلى حياتهم اليومية.

تعميم مصرف لبنان

من المخاوف التي تعتري المرحلة المقبلة، مخاطر ارتفاع سعر صرف الدولار الأميركي لدى الصيارفة مع ما يحمله هذا الأمر من ارتفاع عام في أسعار السلع والخدمات. وهذا الأمر استبقه المصرف المركزي بإصدار تعميم يُلزم فيه الصرافين بشراء الدولار بسعر لا يتجاوز الـ 30% من السعر الرسمي وبيعه بهامش ربح مألوف أي 30 ليرة على الدولار الواحد.

ولكن المُلفت في هذا التعميم أن المصرف المركزي حذّر المخالفين من الصرافين، بأنه سيسحب رخصهم فور إثبات المخالفة. ولهذا الأمر سيعمد المصرف المركزي إبتداءً من اليوم إلى إرسال مراقبيه لدى الصيارفة لضبط المخالفات بالجرم المشهود. وقدّ حذّر حاكم المصرف المركزي رياض سلامة أن كل مُخالف يتمّ ضبطه سيتمّ سحب رخصته فورا وإعطاؤها إلى غيره أو تجميدها. وإذا امتنع الصرافين عن إعطاء الدولارات أو أعلنوا الإضراب، فسيكون موقف المركزي حازماً من ناحية سحب الرخص.

ولسدّ النقص الذي سينتج حكما من سحب رخص الصرافين، يقوم المصرف المركزي بدراسة حول إمكانية أن تؤمّن المصارف اللبنانية خدمة تحويل محدودة تُغطّي فقط النقص الحاصل. وهذا الأمر قد يكون بادرة إيجابية لإستعادة الثقة بالمصارف والقطاع المصرفي.

يبقى القول ان على الحكومة أن تتحرّك لتوقيف الصرافين غير المرخصين وسوقهم أمام القضاء لكي تتمّ مقاضتهم بحسب القوانين المرعية الإجراء. وأي تلكؤ من قبل الحكومة على هذا الصعيد، سيتم تفسيره من الرأي العام اللبناني على أنه تقاعس عن محاربة الفساد.

قرار القاضي إبراهيم

لليوم الثاني على التوالي، ما تزال ردات الفعل على قرار المُدّعي العام المالي القاضي على إبراهيم ضد 21 مصرفاً تتفاعل بين من رحّب ومن دان هذا القرار. وإذا كان الرأي العام لم يطّلع على خلفيات هذا القرار والتي لم تُنشر في القرار المقتضب الذي تمّ تسريبه على مواقع التواصل الإجتماعي، والذي قد يكون بناه القاضي إبراهيم على شكوك حقيقية تطال أداء المصارف في المرحلة الأخيرة، إلا أن الصحافة ومواقع التواصل الإجتماعي وتصاريح بعض السياسيين لم تخلُ من طرح خلفيات سياسية لمثل هذا القرار الذي يُعدّ سابقة في تاريخ الجمهورية اللبنانية حيث تمّ المسّ بأقوى قطاع في لبنان وأكثره نفوذًا.

التداعيات التي كانت لتنتج هذا القرار كانت لتكون سلبية على الصعيد الإقتصادي مع تهديدات المصارف المراسلة بوقف التعامل مع المصارف اللبنانية، مما يعني وقف أو تعقيد الإستيراد خصوصًا للمحروقات والمواد الغذائية. وهذا الأمر هو الذي دفع النائب العام التمييزي القاضي غسان عويدات إلى تجميد قرار القاضي علي إبراهيم بحجّة «حماية المصلحة الوطنية العليا وعدم إخضاع المصارف لتهديدات دولية بوقف التعامل معها».

مما لا شكّ فيه أن المصارف اللبنانية ارتكبت أخطاء خلال الفترة التي تلت 17 تشرين الأول 2019 وعلى رأسها الإستنسابية في التحاويل والسحوبات بالإضافة إلى طريقة تعامل بعض الموظّفين حيال المودعين. إلا أن أي قرار قضائي لا يجب أن يدفع ثمنه كل اللبنانيين حتى ولو كانت المصارف هي المستهدفة.

وإذا كان قرار القاضي على إبراهيم قد هزّ مضاجع القيمين على المصارف اللبنانية، إلا أن الرأي العام اللبناني ينتظر من القاضي علي إبراهيم إظهار التشدّد نفسه مع الصرافين والتجار والفاسدين في القطاع العام والذين أنهكوا الخزينة العام وجيبة المواطن اللبناني.

Exit mobile version