Site icon IMLebanon

ما بعد «جرابلس»: تركيا شريك جديد في «خلطة غامضة»!؟

انتظر الأتراك كثيراً ليدخلوا مجدداً بآلتهم العسكرية الى الأراضي السورية بعد رحلة العبور السريعة لساعات الى «مزار السلطان سليم» قبل عامين. ووسط التأكيد أنّ «عملية جرابلس» لن تكون عملية «توغل قصيرة» طرحت الأسئلة حول خريطة التحالفات الجديدة والنتائج المترتبة عليها. وما الذي يعنيه أن يرافق نائب الرئيس الأميركي جو بايدن العملية من غرفة العمليات العسكرية التركية؟ وأين الدول الخليجية وسوريا ممّا يجري؟

عقب الإنقلاب التركي الفاشل في 15 تموز الماضي وثبوت تورّط المجموعة التركية المكلَّفة الملف السوري في جوانب منه، تحدثت كلّ التقارير الواردة من أنقرة بثقة عالية عن أنّ الرئيس رجب طيب أردوغان استعاد المبادرة على تلك الجبهة وبات طليق اليدين.

ولذلك قيل إنه سيعاود تنفيذ كلّ ما أراده بعدما تجاوز الإشكال الخطير الذي أوقعه فيه أحد المتورّطين في الإنقلاب عند إسقاط الطائرة الروسية فوق جبل التركمان خريف العام الماضي.

ويعترف عائدون من أنقرة أنّ أردوغان عرف كيف يستفيد من نتائج الإنقلاب «بطحشة» لا سابق لها في تاريخ علاقاته الخارجية. فأدار ظهره للإدارة الأميركية مهدداً ومتوعداً ما لم يستعيد الداعية التركي فتح الله غولن المتّهم بتدبير الإنقلاب، وذهب بعيداً في اتجاه موسكو وطهران اللتين سجلتا مواقف مؤيّدة في مواجهة الإنقلابيين بنحوٍ لم يكن يتوقعه.

ويضيف زوار أنقرة، أنه لم يكن أمام أردوغان سوى القيام بخطوات استباقية في اتجاه الخارج فلم يجد سوى المسرح السوري الذي يسمح له بالنفاذ عبره الى فتح آفاق جديدة في السياسة التركية الخارجية، لإنهاء ذيول إسقاط الطائرة الروسية مع موسكو وفتح باب المفاوضات مع طهران تحت شعار مواجهة «داعش»، وعينه على لجم كلّ الخطوات الهادفة الى تكوين الكيان الكردي على حدوده الجنوبية.

وعلى هذه الخلفيات، يرى مراقبون للتوجّهات التركية الجديدة أنّ أردوغان وصل الى مرحلة وضع فيها بلاده على نقطة تقاطع نادرة جداً بين مصالح الأطراف كافة قد لا تتكرّر مرة أخرى. فالروس يحتاجونه في مواجهة «داعش» والأكراد معاً، والإيرانيون يريدون منه خطوات تؤدي الى إقفال حدوده امام المعارضة السورية لمساعدة النظام وحلفائه على تجاوز المخاطر المحدقة بحلب والحسكة معاً نتيجة تعاظم قوى الطرفين وتملّكهما أسلحة كاسرة لكلّ التوازنات السورية الداخلية.

فيما بقيت واشنطن في حاجة اليه لمواجهة «طحشة» روسيا بعد معارك حلب وتوصّلها الى مرحلة من التنسيق مع طهران التي وضعت قواعدها الجوّية بتصرف طائراتها وهو ما لم تفعله أيّ قيادة إيرانية سابقاً لما فيها من خرق للدستور الإيراني.

عند خط التقاء المصالح الروسية والإيرانية والأميركية – وعلى رغم من أنّ لكل منها أسبابها وظروفها التي لا يمكن أن تلتقي مع الأخرى – استطاع أردوغان أن «يقتنص» الفرصة لضرب «داعش» والأكراد معاً.

فنال الموافقة الشاملة على «عملية جراحية سريعة» في جرابلس بضوء أخضر من الأطراف الثلاثة الرئيسة، فترجمها لقطع الطريق أمام أيّ تمدّد كردي إضافي على حدوده الجنوبية فسبقهم في استخدام وحدات «الجيش السوري الحر» التي يثق بها ووفّر لها الغطاء البرّي والجوّي الكافي للسيطرة على قطعة من حدوده مع سوريا في جرابلس ومحيطها في عملية لم تمتد اكثر من بضع ساعات.

وفي ظلّ المستجدات، توقف المراقبون عند الرعاية الأميركية لـ «درع الفرات» والتي صادف انطلاقها مع زيارة بايدن لأنقرة ناقلاً اليها مزيداً من الضمانات الأميركية في مواجهة النتائج التي ترتبت على الإنقلاب. ولم تكتفِ واشنطن بذلك بل وضعت قواتها الجوّية بتصرف القوات البرّية التي نفّذت العملية. وذهب بايدن أبعد من ذلك فرافق العملية في ساعاتها الأولى من غرفة العمليات العسكرية الى جانب وزيرَي الدفاع والداخلية التركيَين.

وعليه كان واضحاً ما قصدته واشنطن في سباقها مع موسكو على نيل رضى أنقرة. فجاءت الرسالة واضحة الى كلٍّ من موسكو وطهران على حدٍّ سواء.

وزاد من وضوحها طلبه من الوحدات الكردية الموالية لواشنطن الإنسحاب من منبج والمناطق التي سيطرت عليها غربي مجرى نهر الفرات بعد أيام قليلة على استعادتها من «داعش» تنفيذاً لطلب تركي معلن وضع المنطقة من مجرى الفرات عند الحدود التركية – السورية وصولاً الى عفرين بامتداد يزيد على 90 كيلومتراً في عهدتها بوجود قوة سورية تثق بها أنقرة دون غيرها من القوى الموزَّعة الولاءات بين واشنطن وموسكو وطهران والرياض وغيرها من أطراف الحلف الدولي.

وأمام خريطة المواقع المعقدة التي برَّرت عملية «درع الفرات» وسهّلتها يبقى للمراقبين أن يتابعوا بدقة متناهية ما هو متوقع من بعدها، وما ستكون عليه بقية المواقف المؤثرة في الأزمة السورية توصلاً الى قراءة لخريطة جديدة معقدة أكثر ممّا يتصورها البعض.

فتركيا لن تخرج قريباً من الأراضي السورية وهو أمر يريحها ويريح واشنطن رغم معارضتها لأيّ خطوة مماثلة سابقاً طالما أنّ ما جرى يحدّ من الدورين الروسي والإيراني. وما يجدر التوقف عنده الحاجة الى رصد مواقف بقية الأطراف المؤيّدة لتركيا.

وتجدر الإشارة الى أنه وفي ظلّ ما يجري لم يعد هناك ثابت سوى أنّ الخاسر الوحيد ممّا جرى سيكون النظام السوري الذي يتمنى استعادة سيطرته على اراضيه فيما هو يشهد على تفتّت بلاده وتوزع مواقع وخريطة القوى الخارجية على أرضه وهو يتفرج عاجزاً يدفع من دماء بنيه شلالات الدم ولا يسأله أحد عن موقفه ممّا يجري. وإن إعترض مَن سيقف على رأيه؟!.