Site icon IMLebanon

لا تعديل في مفهوم «النأي» وتوافق على عدم «احراج» الحريري 

ابراهيم ناصرالدين

عندما يقول رئيس الحكومة سعد الحريري انه يحتفظ لنفسه بما حصل معه في المملكة العربية السعودية، فان هذه الاجابة تعتبر اكثر من كافية لتأكيد كل ما اثير حول عملية احتجازه واجباره على الاستقالة، اما تأكيده في اول مقابلة تلفزيونية يجريها في بيروت بعد عودته، انه يرغب في البقاء رئيسا للحكومة فهذا يؤكد ان «مسار» العودة الى «تسوية» ما قبل الازمة يسير وفقا لما تم التفاهم عليه بين القوى الرئيسية الفاعلة في البلاد، وما حصل في بعبدا بالامس من مشاورات اجراها رئيس الجمهورية ميشال عون مع القوى السياسية الممثلة في الحكومة وحزب الكتائب، ليس الا عملية «اخراج» لسيناريو واقعي سيعيد اطلاق «عجلة» الحكومة بعد «تبريد» ممنهج للاجواء…
ووفقا لاوساط دبلوماسية في بيروت، فان «المظلة» الدولية والاقليمية لعودة الامور الى مربع «الاستقرار» ومرحلة ما قبل الاستقالة باتت متاحة، لكن الجديد هذه المرة ان التفاهم على العودة الى هذه المعادلة تجاوز الدور السعودي بعد «نكسة» الرياض التي قامت «بدعسة ناقصة» اثارت استياء الاميركيين الذين شعروا للمرة الاولى بأن «الامور» خرجت عن «سيطرتهم» بعد تفرد السعوديين بقرار اجبار الحريري على الاستقالة، وفي هذا السياق لم تكتف واشنطن بدعم التحرك الفرنسي لايجاد المخرج المناسب «للورطة» السعودية، بل عملت على التواصل مع طهران عبر قناة اوروبية، لابلاغ القيادة الايرانية بان دعم الاستقرار الداخلي في لبنان لا يزال جزءا من الاستراتيجية الاميركية، والموضوع هو قيد المعالجة، وكان جواب الايرانيين على المستوى نفسه من الايجابية مع عدم وجود اي نية في تغيير «قواعد اللعبة» السائدة على الساحة اللبنانية، وقد ابلغت القيادة الايرانية الطرف الاوروبي المعني بنقل «الرسالة» بان قيادة حزب الله اظهرت منذ الساعات الاولى «حكمة» في التعامل مع الموقف وليست في وارد التصعيد «والكرة» ليست في «ملعبه»… هذا «التفاهم» الاميركي – الايراني الضمني يعزز الان فرضية «العبور» الآمن من الازمة، وبات الرئيس الحريري في موقع يسمح له «التظلل» بغطاء اميركي واوروبي واقليمي يسمح له بهامش من «المناورة» مع المتطلبات السعودية التي اصبحت اكثر تواضعا بعد اصطدامها بتماسك داخلي لبناني كانت مفاجأته الاولى رفع مستوى التنسيق بين حزب الله والنواة «الصلبة» في تيار المستقبل، فضلا عن «صلابة» موقف رئيس الجمهورية، واما مفاجأته الثانية فكانت خارجية بغياب اي دعم دولي لهذه «المغامرة»…

«المخارج»

ووفقا لاوساط سياسية مطلعة على مجريات الاتصالات القائمة، لم يكن الرئيس الحريري ينتظر نتائج المشاورات في بعبدا، لمعرفة موقف حزب الله من العناوين المطروحة، الاجوبة من قبل الحزب تبلغها تيار المستقبل بشكل مباشر خلال مسار التنسيق الطويل منذ الايام الاولى لاحتجاز الحريري في الرياض الى حين وصوله الى بيروت، الحزب كان صريحا في رسم حدود «التنازلات» الممكنة في مسألة «الناي» بالنفس، لا انسحاب من سوريا قبل انتهاء الازمة، ولا تراجع في الموقف الاخلاقي والاعلامي في اليمن، وما قاله السيد نصرالله علنا أبلغه الحاج حسين خليل لنادر الحريري… وبحسب اوساط وزارية بارزة في 8 آذاريدرك رئيس الحكومة بان الازمة «المفتعلة» منشأها سعودي وهو غير قادر على «اجتراح المعجزات» في ظل اختلال موازين القوى في المنطقة، لكنه ابلغ المعنيين انه يستطيع «هضم» الاكتفاء بتجديد الاعلان عن «النأي بالنفس» والعودة الى البيان الوزاري وخطاب القسم كمخرج للازمة، لكن في المقابل طالب بوقف ما اسماه التصرفات «الاستفزازية» المحرجة له في هذه المرحلة الدقيقة، وقد سمع تجاوبا من رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب نبيه بري، وكذلك حصل على موافقة «ضمنية» من حزب الله، ويتعلق الامر بشكل خاص بالتعامل مع ملف العلاقات اللبنانية السورية، حيث اكد رئيس الحكومة انه غير قادر بعد الان على تحمل قيام وزراء في الحكومة بزيارات الى دمشق خارج الاجماع الحكومي، كما لم يعد قادرا على قبول «استفراد» وزير الخارجية جبران باسيل بنسج علاقات مع دمشق بعيدا عن التنسيق معه، وقد جرى التفاهم على حصر العلاقة بالسفيرين اللبناني والسوري، بانتظار تطور العملية السياسية في سوريا وبعدها يبنى على الشيء مقتضاه… وقد سمع الحريري كلاما مطمئنا في هذا السياق، وابلغه رئيس الجمهورية ان احدا لا يريد «احراجه»، وهو كلام سمعه ايضا مسؤولون في تيار المستقبل من قبل قيادات في حزب الله.

العلاقة بين «المستقبل» وحزب الله

وفي هذا السياق اكدت مصادر سياسية مطلعة ان العلاقة بين حزب الله وتيار المستقبل تمر في مرحلة جيدة ويمكن وصف الاجواء «بالطيبة» بعد عدة رسائل «ود» وامتنان من قبل عائلة الحريري للموقف «النبيل» الذي وقفه الحزب مع رئيس الحكومة في ازمته، وبحسب تلك الاوساط، فان الحريري ليس خارج سياق هذا «الامتنان» وان كان يحاذر التعبير عنه علنا لاعتبارات عديدة تتعلق بعدم رغبته «باستفزاز» السعودية… وبحسب تلك الاوساط، لا تبدو المناخات «المستقبلية» مهيئة لعقد لقاء بين الامين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله والرئيس الحريري، لكن احدى الافكار المطروحة الان للتداول بجدية تتعلق باعادة تفعيل الحوار «الثنائي» بين الحزب «والتيار الازرق» برعاية عين التينة، باعتباره حاجة ضرورية لـ«صيانة» العلاقة المستجدة بين الطرفين، وهذه الافكار ستتبلور بشكل نهائي خلال الايام القليلة المقبلة، خصوصا ان ما حصل خلال الازمة الاخيرة خلط كافة «الاوراق» ما سيسمح بنقل النقاش الجدي مع مطلع العام الى مربع جديد يتعلق بالانتخابات النيابية حيث بدا التداول بتغير حتمي في التحالفات، خصوصا بعد ان اصبح الحفاظ على كتلة «صلبة» لتيار المستقبل في مجلس النواب يشكل مصلحة لكل من التيار الوطني الحر وحركة امل وحزب الله…
لقاءات بعبدا

وكان رئيس الجمهورية العماد ميشال عون اختتم بعد ظهر امس في قصر بعبدا مشاوراته بلقاء مع رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري ورئيس مجلس النواب نبيه بري وابلغهما بنتائج المشاورات وبعد انتهاء اللقاء الثلاثي، غادر الرئيسان بري والحريري، فاكتفى رئيس مجلس النواب بالقول للصحافيين: «تفاءلوا بالخير تجدوه»، فيما بدا الارتياح على وجه الرئيس الحريري الذي التقط صور «سيلفي» مع الاعلاميين والاعلاميات في بهو القصر.
وعلى الاثر، صدر عن مكتب الاعلام في رئاسة الجمهورية وصف نتائج النهار التشاوري بانها كانت ايجابية وبنّاءة، وقد توافق خلالها المشاركون على النقاط الاساسية التي تم البحث فيها والتي ستعرض على المؤسسات الدستورية بعد استكمال التشاور في شأنها، اثر عودة فخامة الرئيس من زيارته الرسمية الى ايطاليا والتي تبدأ يوم غد الاربعاء وتستمر حتى يوم الجمعة.

مواقف القوى السياسية

ووفقا لاوساط بعبدا كان الرئيس عون صريحا في مقاربته لمسألة «الناي» عن النفس وطلب من جميع من التقاهم تقديم وجهة نظر واضحة وغير ملتبسة حول افضل السبل للخروج من الازمة، وطالبهم بتقديم تصورات واقعية ومنطقية بعيدا عن «الشعارات» غير القابلة للتطبيق، وكان الرئيس مهتما بنقاش كل الافكار مع عرض مسهب لوجهة نظره التي يمكن اختصارها بمعادلة الوصول الى نتيجة «افضل الممكن» لابقاء لبنان مستقرا وتعزيز امكاناته لمواجهة المخاطر في ظل تشديد الرئيس على معرفة تقدير القوى السياسية لكيفية مواجهة التهديدات الاسرائيلية… اما الملاحظة الاساسية فكانت تمسك الجميع، باستثناء الكتائب، ببقاء الحكومة الحالية، مع التأكيد على تفعيل عملها…
أوساط في الحزب التقدمي الاشتراكي رفضت التعليق او اضافة اي جديد على ما قاله النائب وليد جنبلاط، التزاما بقرار حزبي «بالنأي» عن النفس في هذه المرحلة، لكنها لم تخف وجود اجواء «ايجابية» تمهد لتعزيز مناخات الحوار والاستقرار… في المقابل لا تبدو اجواء الكتائب متفائلة في حصول اي تعديلات جدية في السياسة الحكومية، وتلفت الى ان الاجواء توحي بان ما هو مطروح محاولة «لتدوير الزوايا» دون معالجة الازمة الحقيقية المرتبطة بسلاح حزب الله… ولا يبدو الان ان ثمة من يريد فتح نقاش جدي حول هذه المسألة…

خوف «قواتي» من «العزل»

في هذا الوقت تبدو القوات اللبنانية اكثر المتضررين من انهيار «الانقلاب» السعودي، ولم تستطع حتى الان استعادة التوازن في العلاقة مع تيار المستقبل، بانتظار موعد طلبه «الحكيم» من رئيس الحكومة لتبديد «الهواجس» و«الالتباسات»، في ظل «استياء» قواتي شديد عبرت عنه اوساط مقربة من القوات حيال «صمت» الرئيس الحريري على تجاوزات بعض المقربين منه، واستمراره في تأجيل اللقاء مع جعجع، الذي وعد بلقاء قريب دون تحديد الموعد… وفي هذا السياق بدأ القلق الجدي لدى تلك الاوساط من محاولة «عزل» ممنهج «للقوات» يمكن ان تجد ترجمتها في التحالفات الانتخابية المقبلة، في ظل اهتزاز العلاقة مع التيار الوطني الحر، «والتيار الازرق»… واذا كان رئيس حزب «القوات» قد اكد بعد لقاء الرئيس عون انه في موضوع سلاح حزب الله يمكن ان تبقى الامور على حالها على ان يكون القرار العسكري والامني بيد الدولة، فان أوساطاً وزارية في 8 آذار تشير الى ان تعليقه جاء من خارج السياق لان مسألة سلاح الحزب غير مطروحة للنقاش، ولم تكن جزءا من المشاورات في بعبدا، وكلامه للاستهلاك المحلي والخارجي…