Site icon IMLebanon

الجمهورية : عون: انسحاب إسرائيل يفقد السلاح من مبرر وجوده… واشنطن: التفاوض فرصة لترتيبات طويلة الأمد

على وقع التحضير للجولة المقبلة من المفاوضات المقرّرة في 22 الجاري، وفي انتظار اكتمال مسار تثبيت وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل، لم يتوقف التصعيد الميداني في الجنوب، بل انتقل إلى مرحلة إدارة الأزمات اليومية، مع اتساع التوغلات الإسرائيلية والقصف على البلدات والقرى الجنوبية، وخصوصاً على مدينتَي صور والنبطية المحاصرتَين بالنار، إلى حين بلورة تفاهمات أوسع ترعاها واشنطن.

وتؤكّد أوساط ديبلوماسية متابعة لـ«الجمهورية»، أنّ الاتصالات الجارية حالياً تدور على مستويَين متوازيَين: الأول لبناني – إسرائيلي يهدف إلى منع انهيار التهدئة القاضية بعدم قصف شمال إسرائيل مقابل عدم قصف بيروت، والثاني لبناني ـ أميركي يهدف إلى تحويل وقف النار الموقت إلى ترتيبات أكثر استقراراً.

 

وتؤكّد مصادر مطلعة لـ«الجمهورية»، أنّ «واشنطن ما زالت تدير شبكة التواصل الأساسية بين بيروت وتل أبيب، بعدما كرّست جولات التفاوض السابقة في واشنطن آلية اتصال شبه دائمة بين الوفود السياسية والأمنية للطرفَين. وإنّ الجهود الأميركية (كان أبرزها جولة السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى إلى الرؤساء الثلاثة) خلال الساعات الأخيرة، تركّزت على احتواء تداعيات التصعيد الذي شهدته مناطق جنوبية لبنانية، ومنع انعكاسه على المسار التفاوضي، الذي تعتبره الإدارة الأميركية الفرصة الوحيدة المتبقية لترجمة التهدئة العسكرية، إلى ترتيبات سياسية وأمنية طويلة الأمد».

 

وبحسب قراءة أحد الديبلوماسيِّين، فإنّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب «يسعى إلى تثبيت صورة مفادها أنّ الحرب الإقليمية دخلت مرحلة الاحتواء، وأنّ وقف الضربات المتبادلة بين إيران وإسرائيل يجب أن يواكبه تثبيت للجبهة اللبنانية، بحسب ما اتُفِق عليه في الاجتماع الأخير من المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية المباشرة، وعدم السماح بعودة التصعيد إلى نقطة الصفر. ولهذا، لا تزال الأمور عند نقطة حرجة، لأنّ تل أبيب تستعد مباشرةً لقصف الضاحية الجنوبية لبيروت عند أول استهداف لمناطقها الشمالية، من دون أن تستبعِد جولة قصف جديدة مع إيران، على غرار ما حدث نهاية الأسبوع الماضي».

 

ويضيف هذا الديبلوماسي، أنّ «قنوات التواصل من لبنان إلى واشنطن والرياض وباريس والدوحة وإسلام آباد تكثفت في الأسبوعَين الأخيرَين، واتسعت مروحة الاتصالات في شأن ما اتُفِقَ عليه في جولة التفاوض الأخيرة في واشنطن، على أن تتبعها جولة جديدة في 22 حزيران الجاري». خلال هذه الاتصالات، بحسب الديبلوماسي نفسه، جدّدَ الطرف اللبناني تشديده على «أولوية وقف الاعتداءات الإسرائيلية، الانسحاب الإسرائيلي، مقابل تركيز أميركي على تعزيز دور الجيش اللبناني وتوسيع نطاق انتشاره جنوباً، في اعتباره الضامن العملي لأي اتفاق مستقبلي».

 

وأكّد أنّ «الاهتمام الإسرائيلي، كما الأميركي، منصبّ على فصل المسار اللبناني عن المفاوضات الأميركية ـ الإيرانية، على اعتبار أنّ ملف سحب سلاح «حزب الله» قد تمّ البت فيه في لبنان بموافقة السلطة اللبنانية». ولفت إلى أنّ «قنوات التواصل اللبنانية – الإسرائيلية لم تعُد تقتصر على الجوانب العسكرية الميدانية، بل توسعت خلال الأشهر الماضية، لتشمل مسارات سياسية وأمنية متدرّجة، تُدار بمعظمها عبر الوسيط الأميركي. كما أنّ الاتصالات لم تعُد محصورة بملفات الحدود أو وقف النار، بل باتت تتناول ترتيبات أمنية أوسع مرتبطة بالجنوب اللبناني وآليات منع الاحتكاك وإدارة أي خروق مستقبلية، ينبغي أن تتطوَّر جميعها في جولة التفاوض المقبلة. بينما ينظر لبنان إلى هذه المرحلة على أنّها اختبار لقدرة الديبلوماسية على منع انهيار المسار التفاوضي تحت ضغط الميدان، معوِّلاً على استمرار المظلة الأميركية وعلى نجاح الاتصالات الجارية في تحويل وقف إطلاق النار من هدنة قابلة للاهتزاز إلى تفاهم أكثر رسوخاً، خصوصاً أنّ جميع الأطراف المعنية تدرك أنّ أي انهيار للمسار الحالي سيعيد المنطقة إلى دوامة التصعيد».

 

الفصل بين الملفَين

وفي سياق متصل، أوضحت أوساط سياسية مواكبة للتطوُّرات الميدانية لـ«الجمهورية»، أنّ «التصعيد الإسرائيلي في الجنوب يرمي إلى محاولة تكريس الفصل بين الملفَين اللبناني والإيراني، وعدم السماح لطهران بتثبيت معادلاتها الجديدة، خصوصاً بعد إعلانها عن أنّها ستردّ إذا استمرت الهجمات الإسرائيلية».

 

كذلك لفتت الأوساط، إلى أنّ «تل أبيب ستسعى إلى منع إيران من تكريس معادلة شمال إسرائيل مقابل الضاحية الجنوبية، وهي ستعمل على اختبار جدّية طهران في الإصرار على هذا الربط». واعتبرت الأوساط، أنّ الإنذار الذي وُجِّه إلى أهالي صور ومحيطها بالإخلاء ثم قصف المدينة ومحيطها، إنما يندرجان في سياق محاولة تل أبيب التمسك بزمام المبادرة وفرض قواعد الاشتباك على «حزب الله» وحليفه الإيراني. وأشارت إلى أنّ شمول إنذارات الإخلاء الحارة المسيحية في مدينة صور، يصبّ في خانة اللعب الإسرائيلي على أوتار الحساسيات الداخلية والدفع نحو تحريك النعرات الطائفية، لزيادة الضغط على «حزب الله» والدولة اللبنانية.

 

خشية الاستفراد

وإلى ذلك، أبدت مصادر ديبلوماسية لـ«الجمهورية»، خشيتها من أن يكون لبنان قد عاد مستفرداً مقابل إسرائيل، مع توقف الضربات الصاروخية المتبادلة بين تل أبيب وطهران بطلب أميركي. فقد جاءت قرارات الكابينت المصغَّر وتطورات الميدان البري والحدود، لتؤكّد أنّ جبهة الجنوب وبيروت دخلت مرحلة تجاذب قاسية.

 

فقد أقرّ مجلس الوزراء الإسرائيلي المصغّر إجراءً أمنياً استثنائياً يرفع سقف المواجهة، ويتمثل في تكليف قيادة الجيش الردّ الفوري والمباشر باستهداف ضاحية بيروت الجنوبية عقب رصد أي صاروخ أو مسيّرة تُطلق من لبنان في اتجاه مستوطنات الشمال، ومن دون الحاجة للعودة أو مراجعة المستوى السياسي. ويعكس هذا التفويض التلقائي تمسكاً إسرائيلياً مطلقاً بمعادلة «الضاحية مقابل المستوطنات»، مع إبداء تل أبيب استعدادها التام لفتح جولة مواجهة جديدة مع إيران إن تطلّب الأمر ذلك، لقطع الطريق على أي محاولة لتغيير قواعد اللعبة الأمنية التي رسمتها بالنار في الجنوب.

 

ووفقاً لما نقلته القناة 12 الإسرائيلية عن المؤسسة الأمنية، فإنّ التقديرات العسكرية الإسرائيلية تعتبر أنّ لبنان عاد رسمياً ليشكّل «ساحة القتال والجهد الرئيسي» للجيش الإسرائيلي بعد التهدئة الأخيرة بين تل أبيب وطهران. وتهدف الغارات العنيفة والأحزمة النارية المكثفة التي يشنّها سلاح الجو في الجنوب والبقاع إلى توجيه رسالة إلى القيادة الإيرانية، مفادها أنّ التهديدات أو الضربات السابقة لن تمنع إسرائيل من مواصلة عملياتها لتفكيك بُنية «حزب الله». وتأتي هذه الاندفاعة لتؤكّد مجدّداً وضع الجنوب خارج دائرة أي تفاهمات إقليمية، إذ تركّز إسرائيل جهدها البري حالياً على إسقاط مدينة النبطية ومحاصرة صور ومخيّماتها وإفراغهما ديمغرافياً.

 

الجولة المقبلة

وإلى ذلك، وتحضيراً لجولة المفاوضات المقرّرة في 22 من الجاري في واشنطن، جال أمس رئيس الوفد اللبناني المفاوض السفير السابق سيمون كرم على كل من رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، وقيَّم معهما مداولات الجولة الأخيرة من المفاوضات اللبنانية – الأميركية – الإسرائيلية ونتائجها، وتطرَّق البحث إلى التحضيرات الجارية للجولة المقبلة في ضوء التطوُّرات الراهنة، وضرورة تثبيت وقف إطلاق النار، والانطلاق إلى المناطق التجريبية وانتشار الجيش فيها وعودة الأهالي، في سياق تحقيق انسحاب إسرائيل إلى الحدود الدولية المعترف بها.

 

وفي إطار المساعي والتحرُّكات الديبلوماسية، تلقّى الرئيس عون اتصالاً من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تناول مسار المفاوضات اللبنانية – الأميركية – الإسرائيلية الرامية إلى إنهاء التصعيد العسكري وإعادة الهدوء والاستقرار إلى الأراضي اللبنانية، في وقت تتكثف فيه الاتصالات الخارجية لمنع توسع المواجهة وفتح الباب أمام ترتيبات أكثر ثباتاً.

 

وخلال الاتصال، كرّر ماكرون وقوف فرنسا إلى جانب لبنان وشعبه في مختلف المجالات، مؤكّداً استمرار دعمها للبنانيّين في هذه المرحلة الدقيقة. وعرض عون لنواب من البرلمان الفرنسي والأوروبي زاروه أمس، المعطيات المتوافرة حول مسار المفاوضات اللبنانية – الأميركية – الإسرائيلية في واشنطن، والثوابت التي يلتزمها الوفد اللبناني المفاوض للوصول إلى إنهاء حالة العداء مع إسرائيل بعد انسحاب جيشها من الأراضي اللبنانية المحتلة وإعادة الأسرى وعدم عرقلة انتشار الجيش اللبناني حتى الحدود المعترف بها دولياً. وأشار إلى «أنّ انسحاب إسرائيل يمكن لبنان من بسط سلطته وإنهاء المظاهر المسلحة وسحب أي مبرّر لبقاء سلاح غير سلاح السلطة الشرعية وقواها المسلحة». ولفت الرئيس عون إلى أهمّية اعتماد مقاربة سياسية وعسكرية واقتصادية واجتماعية لمسألة سحب سلاح «حزب الله»، بهدف المحافظة على الاستقرار السياسي والأمني والاجتماعي في البلاد.

 

وكان الرئيس عون هنأ قوى الأمن الداخلي قيادةً وضباطاً وأفراداً، لمناسبة ذكرى تأسيسها، وقال: «إنّ الدولة التي نسعى إليها دولةٌ تسود فيها سيادة القانون وتنعدم فيها الدويلات، وتُحترم فيها حقوق المواطن، وتكون فيها قوى الأمن الداخلي درعَه الحصينة وملاذَه الآمن».

 

من بنغلادش

في هذه الأثناء، وغداة استقباله السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى، أكّد رئيس مجلس النواب نبيه برّي، أنّ «موقفنا وقف إطلاق نار كامل وشامل، براً وبحراً وجواً، من دون قيد أو شرط ونتحدّث بعدها عن الانسحاب «بالتوازي» للجيش الإسرائيلي و«حزب الله» من جنوب نهر الليطاني». وأضاف بري لمنصة «وايز»: «ما يُسمّى بالمناطق التجريبية مرفوضة مني، وما هو مقبول فقط انسحاب إسرائيل ودخول الجيش اللبناني بالتوازي مع عودة النازحين». ولفت إلى أنّه «لو إجاني وقف إطلاق النار من أي دولة أنا ماشي فيه، حتى لو كان من بنغلادش».

 

عيسى

وإلى ذلك، تطرَّق السفير الأميركي ميشال عيسى في تصريح له أمس، إلى الدور السياسي للرئيس بري، موضّحاً أنّ الأخير «غالباً ما يتحدّث باسم حزب الله»، لكنّه أشار إلى وجود تباين أحياناً بين تصريحات بري ومواقف الحزب الفعلية. وأضاف أنّ بري «أوقات بيصرّح شي والحزب بيقول شي تاني، وبيحكوا مع بعض وبقرّروا مين بروح شمال ومين بروح يمين»، في إشارة إلى التنسيق الداخلي بين القيادات اللبنانية حول التحرُّكات الأمنية والسياسية على الأرض. وأوضح عيسى «أنّ منطقة الـPilot Zone (المنطقة التجريبية) تشهد عودة الأهالي إلى قراهم بعد تهدئة ميدانية نسبية»، مشيراً إلى «أنّ إسرائيل تمتنع عن القصف في هذه المنطقة في الوقت الحالي، فيما يقوم الجيش اللبناني بتأمين الحماية للسكان». وأضاف، «أنّ العمليات لا تقتصر على الحماية فقط، بل تشمل جهوداً لتنظيف المنطقة من الأسلحة، تمهيداً للانتقال إلى مناطق أخرى في جنوب لبنان بهدف الوصول إلى تنظيف شامل لكل المناطق الحدودية».

 

قائد الجيش

في إسلام آباد، أُعلن أمس أنّ قائد الجيش الباكستاني عاصم منير التقى نظيره اللبناني رودولف هيكل الذي بدأ السبت زيارة لباكستان. واتفقا على تعزيز التعاون العسكري بين بلديهما، في وقت لا يزال الاتفاق الأميركي- الإيراني لوضع حدّ للحرب في الشرق الأوسط متعذّراً. وأوضح الجيش الباكستاني في بيان، أنّ القائدَين بحثا «قضايا ذات اهتمام مشترك، والبيئة الأمنية الإقليمية المتطوّرة، والتعاون الدفاعي، وآفاق تعزيز العلاقات العسكرية الثنائية». وأشار إلى أنّ منير «شدّد على التزام الجيش الباكستاني بتوسيع التعاون الدفاعي مع القوّات المسلّحة اللبنانية»، وذلك عقب مراسم استقبال رسمية شملت استعراض حرس الشرف في مدينة روالبندي. وفي السياق، نقلت «أ. ف. ب.» عن مصدر مطلع على مضمون الزيارة، قوله، إنّ «لبنان جزء أساسي من المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة».

Exit mobile version