فيما يواصل الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل إثارة تباين في المواقف الداخلية بين مؤيد ومعارض، تتواصل التحضيرات لبدء تنفيذ البند المتعلق بـ»المناطق التجريبية». وفي هذا السياق، يزور لبنان اليوم قائد القيادة المركزية الأميركية الأميرال براد كوبر، قادماً من شمال إسرائيل، لعرض آلية تطبيق هذه المناطق بإشراف أميركي ومواكبة الخطوات التنفيذية للاتفاق. وفي موازاة ذلك، سُجّلت خروقات إسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار، فيما أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي، أنّ الجيش سيواصل عملياته داخل لبنان، مؤكّداً أنّ بلاده تعتبر نزع سلاح «حزب الله» وإزالة ما تصفه بالتهديدات على الحدود، جزءاً من متطلبات أمنها.
رأى مصدر ديبلوماسي مطلع على المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية المباشرة برعاية الولايات المتحدة، في حديث لـ«الجمهورية»، أنّه «لا يمكن التعامل مع الاتفاق الإطاري الذي وقّعته الولايات المتحدة ولبنان وإسرائيل بوصفه مجرّد تفاهم أمني لتنظيم الوضع على الحدود الجنوبية، بل هو وثيقة سياسية تؤسس لمرحلة مختلفة في مقاربة المجتمع الدولي للملف اللبناني. فالوثيقة، التي جاءت بعد أشهر من المفاوضات المباشرة برعاية أميركية، لا تنطلق من وقف إطلاق نار تقليدي، بل من رؤية متكاملة، تعيد ربط السيادة اللبنانية باحتكار الدولة للسلاح، وتربط في المقابل الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية بتنفيذ هذه الالتزامات بصورة متدرّجة وتحت إشراف آليات تنسيق ورقابة أميركية ودولية».
وتكمن أهمّية الاتفاق، بحسب الديبلوماسي، «في أنّه ينقل مركز الثقل من منطق «إدارة الأزمة» إلى منطق «إدارة الحل». فمنذ عام 2006 بقي تنفيذ القرار 1701 محل تجاذب سياسي وعسكري، بينما يحاول الاتفاق الجديد تحويل النصوص الدولية إلى خطوات تنفيذية محدَّدة زمنياً، تبدأ بتوسيع انتشار الجيش اللبناني، مروراً بإزالة أي مظاهر عسكرية خارج سلطة الدولة في مناطق التطبيق، وصولاً إلى إنهاء الوجود الإسرائيلي في الجنوب ضمن مراحل متفق عليها. وهذه المقاربة تعكس قناعة أميركية متزايدة بأنّ الاستقرار الدائم لا يمكن أن يتحقق إلّا إذا أصبحت الدولة اللبنانية المرجعية الأمنية الوحيدة على كامل أراضيها».
سياسة
ومن زاوية إقليمية، يبدو الاتفاق، برأي الديبلوماسي، «انعكاساً لتحوُّلات أوسع في ميزان القوى في الشرق الأوسط. فالمفاوضات جرت مباشرة بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية، من دون أن تكون إيران طرفاً في صياغة التفاهم أو في آليات تنفيذه، وهو مؤشر إلى تقلّص هامش تأثير طهران في إدارة الملف اللبناني مقارنة بالسنوات السابقة، وصولاً إلى إنهائه على المدى القريب. غير أنّ هذا لا يعني انتهاء النفوذ الإيراني بصورة تلقائية، إذ إنّ حجم هذا النفوذ سيظل مرتبطاً بقدرة أذرع إيران داخل لبنان على التأثير في مسار التنفيذ عبر عرقلته، بالتالي عرقلة انسحاب الجيش الإسرائيلي، وعرقلة نجاح الدولة في فرض احتكارها للقرار الأمني والعسكري، خصوصاً أنّ إيران باتت غير مرغوبة من قبل غالبية الأحزاب السياسية اللبنانية».
ويطرح الاتفاق معادلة جديدة تختلف عن كل المحطات السابقة، إذ إنّه «للمرّة الأولى يجعل الانسحاب الإسرائيلي نتيجة مباشرة لنجاح الدولة اللبنانية في تنفيذ التزاماتها الأمنية، وليس مجرّد استحقاق منفصل عنها. ومن هذا المنطلق، فإنّ أي تعطيل داخلي لآليات التنفيذ، لن يؤدّي فقط إلى تجميد الاتفاق، بل سيمنح إسرائيل مبرّراً للإبقاء على قواتها داخل المناطق التي تعتبرها ضرورية لأمنها، إلى حين استكمال الشروط الواردة في الاتفاق. بالإضافة إلى تحضير لوائح أسماء لوضعها على لوائح العقوبات الأميركية والدولية والخليجية، على غرار ما حدث خلال الشهر الأخير. الآن المعادلة واضحة: عينٌ على التنفيذ وعينٌ على العقوبات لكل من يعرقل».
أخبارلبنان
أمّا التحدّي الأكبر، فيتمثل في موقف «حزب الله»، الذي أعلن رفضه للاتفاق واعتبره غير ملزم، انطلاقاً من رفضه ربط الانسحاب الإسرائيلي بمسألة سلاحه. إلّا أنّ القراءة المقابلة ترى أنّ استمرار الاعتراض على تنفيذ البنود قد يؤدّي عملياً إلى إبطاء الانسحاب الإسرائيلي، لأنّ الاتفاق صيغ على أساس التزام متبادل ومتدرّج، فتتقدَّم كل مرحلة بالتوازي مع تنفيذ المرحلة المقابلة لها. وبذلك، يصبح أي تعطيل داخلي عاملاً يؤخّر استعادة الدولة سيطرتها الكاملة على الجنوب، ويؤجّل عودة السكان واستقرار المنطقة بصورة نهائية.
وفي الجانب التنفيذي، يشدّد الديبلوماسي، أنّ «المؤسسة العسكرية اللبنانية تبدو المستفيد الأول من الاتفاق. فنجاح الخطة يرتبط بتوسيع انتشار الجيش، وزيادة عديده في الجنوب، وتزويده بقدرات استطلاع ومراقبة وتجهيزات حديثة، بما يمكّنه من الإمساك الكامل بالوضع الأمني. ولذلك، تتّجه الولايات المتحدة وشركاؤها الأوروبيّون إلى التعامل مع دعم الجيش باعتباره الاستثمار الأساسي في نجاح الاتفاق، لأنّ أي فراغ أمني قد يُعيد إنتاج أسباب التصعيد السابقة».
ويربط الديبلوماسي تنفيذ الاتفاق بمَدّ لبنان بأوراق قوة لدحض الضغط الإيراني الذي «يتأثر سلباً كلما تقدّم لبنان بقراره السيادي الخاص»، ويُضيف «الأسابيع الثلاثة المقبلة ستشهد طرح ملف معالجة الوضع الديبلوماسي لتسمية سفير إيراني في بيروت، فإذا أرادت إيران سفيراً يتعاطى مع لبنان من منطق دولة مقابل دولة يحترمان بعضهما، على طهران التأقلم مع الواقع الجديد واحترام قرارات السلطات اللبنانية وعدم عرقلة تفكيك البنية العسكرية لـ«حزب الله»، وإذا عاندت سيكون لبنان صاحب ورقة قوّة في تقزيم العلاقات الديبلوماسية مع طهران».
تحليلسياسي
وعلى الصعيد الاقتصادي، «يحمل الاتفاق بُعداً لا يقل أهمّية عن بُعده الأمني. فاستعادة الاستقرار على الحدود الجنوبية، وإثبات قدرة الدولة على تنفيذ التزاماتها، يشكّلان الشرط الأول أمام إطلاق برامج دعم واستثمارات عربية ودولية واسعة. وتعتبر دول الخليج أنّ أي انخراط اقتصادي طويل الأمد في لبنان يحتاج إلى بيئة مستقرة ومؤسسات رسمية قادرة على إدارة الأمن والاقتصاد بعيداً من ازدواجية القرار. وبالتالي، فإنّ نجاح الاتفاق قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من المساعدات والاستثمارات وإعادة الإعمار، فيما سيؤدّي فشله إلى استمرار عزلة لبنان الاقتصادية وتراجع ثقة المستثمرين».
انقسام عمودي
وفي المقابل، تشير مصادر سياسية لـ«الجمهورية»، إلى أنّ الأخطر في ما يجري، أنّ لبنان يكرّس اليوم انقساماً أهلياً عمودياً، حيث يتنازع مشهده الداخلي منطقان لا يلتقيان:
- منطق «حزب الله» والإسناد الإقليمي الذي يمثله «حزب الله» وحلفاؤه، ويرى أنّ الخيار الوحيد القادر على ردع إسرائيل هو الاستمرار في القتال والمواجهة الميدانية، رافضاً مبدأ التفاوض المباشر بالشروط الراهنة، إلّا إذا أُديرت الخيوط عبر القوّة الإقليمية الحليفة، أي إيران.
تاريخ
– منطق السلطة التنفيذية و«الواقعية السياسية» الذي تمثله الدولة اللبنانية، وينطلق من قراءة لواقع الخسائر المتراكمة التي أفرزتها الحرب وضرورة إنقاذ البلد ومؤسساته وشعبه، إذ أدّى القتال المستمر إلى قضم متواصل للأرض وتهجير واسع للأهالي، متدرّجاً من الخطوط الأمامية (النقاط الخمس) وصولاً إلى حدود نهر الليطاني، ثم حدود نهر الزهراني. وتحذّر السلطة من أنّ المضي في هذا المسار قد يدفع الاحتلال إلى التمدّد نحو حدود نهر الأولي وما بعده.
وفي ضوء هذه الرؤية الحكومية، تضيف المصادر نفسها، أن ليس هناك من مخرج عملي لإنهاء الاحتلال سوى التفاوض برعاية الولايات المتحدة، بصفتها القوّة الدولية الوحيدة القادرة على الضغط الفعلي على إسرائيل والتأثير في قراراتها. فهذا الخيار يبقى هو «الأقل كلفة» لإنقاذ ما تبقّى، لكنّ شرطه الأساسي يبقى اقتناع «حزب الله» بالتعاون مع الدولة وتسليمها السلاح ليكون قوة سياسية محلية تخضع لآليات القانون والمؤسسات الدستورية، كأي مكوّن آخر في البلد، ولو تمّ ذلك ضمن تسوية سياسية متكاملة، تحظى برعاية عربية وإقليمية ودولية.
بري وقاليباف
الاتصال الذي جرى بين رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف حمل في ظاهره نقاشاً حول تطورات الجنوب اللبناني، لكنه في مضمونه كشف عن محاولة واضحة لربط الملف اللبناني بمسار تفاهمات دولية أوسع، لا يكون لبنان فيها بالضرورة صاحب القرار المركزي.
أخبارسياسة
فقد جرى خلال الاتصال التطرُّق إلى استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية، وإلى ما وصف بأنّه خرق لبنود تفاهم دولي يتصل بوقف الحرب وانسحاب القوات الإسرائيلية. غير أنّ الإشكالية الأساسية تكمن في إدخال لبنان ضمن هندسة تفاهمات بين قوى دولية وإقليمية لا تعكس توازناً لبنانياً داخلياً، بل تمنح أطرافاً خارجية، وعلى رأسها إيران، مساحة تأثير تتجاوز حدود العلاقة الثنائية إلى محاولة إعادة تعريف قواعد الأمن الإقليمي.
هذا التداخل بين الدور الإيراني والملف اللبناني يثير تساؤلات جدّية حول مدى استقلالية القرار اللبناني، خصوصاً عندما تُطرح آليات متابعة أو لجان مشتركة تضمّ أطرافاً غير لبنانية في إدارة ملف حساس يتعلق بسيادة دولة كاملة.
الدور العربي والدولي: دعم الدولة
على خط موازٍ، برزت المواقف العربية، لا سيما المصرية، كعامل توازن نسبي في المشهد، حيث شدّدت القاهرة على أهمية انسحاب القوات الإسرائيلية ودعم انتشار الجيش اللبناني كمرجعية أمنية وحيدة في الجنوب. هذا الطرح يعكس رؤية تقوم على إعادة الاعتبار للدولة اللبنانية ومؤسساتها، بعيداً من منطق الوكالات الإقليمية المتعددة.
أخبارلبنان
هذا التوجّه يتناقض بشكل غير مباشر مع الطرح الإيراني الذي يسعى إلى إدخال أطراف غير لبنانية في إدارة الأمن الحدودي، ما يفتح تناقضاً واضحاً بين نموذج الدولة المركزية ونموذج النفوذ الإقليمي المتداخل.
الموقف الإسرائيلي
في المقابل، يواصل الخطاب الإسرائيلي التركيز على البعد الأمني باعتباره المحرك الأساسي للعمليات في الجنوب اللبناني. فالتصريحات الرسمية تؤكّد استمرار العمليات العسكرية ما لم يتمّ نزع سلاح «حزب الله»، مع الإبقاء على هامش تحرك ميداني داخل مناطق تعتبرها إسرائيل «حزاماً أمنياً».
هذا النهج يعكس محاولة إسرائيلية لإعادة رسم قواعد الاشتباك على الأرض، بما يفرض واقعاً أمنياً جديداً قد يسبق أي تسوية سياسية، ويجعل من الجنوب اللبناني منطقة خاضعة لتوازن قوة غير مستقر.
سياسة
كما تشير التسريبات الإسرائيلية حول «ملحق سرّي» في أي تفاهم محتمل، إلى رغبة في تثبيت حرّية الحركة العسكرية، ما يعمّق الفجوة بين مفهوم السيادة اللبنانية وبين الوقائع الميدانية المفروضة.
الجيش اللبناني: تأكيد على الاستقلالية
في خضم هذا المشهد، يبرز موقف الجيش اللبناني كعنصر توازن مؤسساتي، إذ يؤكّد رفضه لأي محاولات لتسييس دوره أو التشكيك في ولائه الوطني. ويشدّد على أنّ مهمّته محصورة ضمن الإطار الدستوري للدولة، بعيداً من أي اصطفافات إقليمية.
هذا الموقف يكتسب أهمية خاصة في ظل محاولات متكرّرة لإدخال المؤسسة العسكرية في حسابات سياسية أو إقليمية، وهو ما يرفضه الجيش بشكل قاطع، في محاولة للحفاظ على ما تبقّى من تماسك مؤسسات الدولة.
