لا مؤشرات واضحة حول موعد دخول صيغة الإطار اللبناني – الإسرائيلي حيّز التنفيذ، بل إنّ الوقائع التي تلاحقت منذ توقيعها في واشنطن، يبدو أنّها تنحى نحو ركود، خصوصاً بعد تعطيل إسرائيل للمرحلة الأولى منها، والتي تتجلّى في الانسحاب ممّا سُمِّيتا المنطقيتَين التجريبيّتَين. وتلاحق الرسائل المباشرة بصورة يومية من قِبل المستويات السياسية والعسكرية الإسرائيلية، حول رفض الانسحاب وبقاء الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان، وآخر تلك الرسائل بالأمس، على لسان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس، مقرونة باعتداءات مكثفة على المناطق الجنوبية، تزيد من هشاشة الوضع الأمني، وتنذر بخطر استئناف التصعيد. وخصوصاً بعد ما بدا كمحاولة فصل «المنطقة الصفراء» عن سائر المناطق اللبنانية، عبر تثبيت «بوابات عبور» عند مداخلها.
عون يردّ على المشكّكين
في سياق الانقسام حول صيغة الإطار، يبرز موقف رئيس الجمهورية جوزاف عون، بوصفه محاولة لتثبيت مسار الدولة في مواجهة حملات التشكيك التي تطال القرار السياسي والمؤسسة العسكرية، إذ ردّ بقوّة على ما وصفه بتشويه ممنهج يستهدف الجيش والأجهزة الأمنية.
في المقابل، تلقّى عون دعماً سياسياً لافتاً من اليونان، خلال اتصال رئيس وزرائها كيرياكوس ميتسوتاكيس، الذي جدّد التأكيد على تأييد بلاده لصيغة الإطار ولخطوات الدولة اللبنانية في بسط سيادتها على كامل أراضيها، مع استعداد أثينا لتقديم مساعدات عملية، خصوصاً عبر دعم الجيش والتنسيق مع وزارة الدفاع اللبنانية لمواكبة المرحلة.
محلياً، وخلال لقائه وفوداً من نقابتَي المحامين في بيروت والشمال والهيئات الاقتصادية، عرض الرئيس مسار التفاوض، مؤكّداً أنّ الدولة طرحت منذ نحو عام خياراً بديلاً، لكن لم يُقدَّم أي بديل عملي. وأضاف بلهجة حاسمة: «إذا رُفضت صيغة الإطار، فما البديل؟ هل يُراد أن يفاوض غيرنا باسمنا؟ نحن الدولة، ومن الطبيعي أن نتفاوض عن أنفسنا، مع مشاركة الجميع في إبداء الرأي لا في الاكتفاء بالتشويه».
وفي ردّ مباشر على الانتقادات القانونية، شدّد عون على أنّ ما يُقال حول المادة 13 غير دقيق، موضّحاً أنّها تنصّ على تعليق الإجراءات القانونية الدولية موقتاً إلى حين انتهاء المفاوضات، من دون أن تلغي حق أي طرف متضرّر، بما في ذلك النقابات، في التقدّم بدعاوى. واعتبر أنّ الحديث عن التنازل «يفتقر إلى قراءة نصوص الاتفاق».
كما نفى أن تكون صيغة الإطار تشرعن الاحتلال أو تتعارض مع مبدأ السيادة، مؤكّداً أنّ جميع البنود تنصّ على انسحاب إسرائيل وبسط سلطة الدولة، وأنّ الهدف يشمل أيضاً ملف النازحين والأسرى والجثامين والدعم الدولي. واعتبر أنّ صيغة الإطار «ليست مثالية لكنّها أفضل الممكن ضمن الثوابت اللبنانية».
وفي ملف السلاح، ذكّر عون بأنّ مبدأ حصر السلاح منصوص عليه في اتفاق الطائف والدستور، متسائلاً عن أسباب الاعتراض على ما هو أصل دستوري مؤجّل التطبيق منذ عقود. كما نفى أي حديث عن استدعاء تدخّل سوري، مؤكّداً أنّ السيادة تُمارس بقرار الدولة واحتكارها للسلاح والقرار الأمني.
وانتقد عون ثقافة «التمثيل بالوكالة» في التفاوض خلال العقود الماضية، مشيراً إلى أنّ الدستور يمنح رئيس الجمهورية صلاحية التفاوض، مع حرصه على التشاور الدائم مع رئيسي البرلمان والحكومة.
وفي سياق أمني، شدّد على أنّ خيار المفاوضات حال دون كلفة أكبر، متسائلاً عن البدائل المطروحة. كما أشار إلى كلفة الحروب السابقة على الجنوب، حيث سقط آلاف الضحايا ونزح أكثر من مليون ونصف شخص، مع تراجع السيطرة على بلدات عدة في محطات متتالية.
وختم بالتأكيد أنّ لبنان أمام فرصة سياسية يجب عدم تفويتها، رافضاً تحويل الخلاف إلى تعبئة في الشارع. كما نفى كل الشائعات حول نية إقالة قادة الجيش أو الأجهزة الأمنية، باستثناء منصب واحد في المديرية العامة للأمن العام، مؤكّداً أنّ الهدف من هذه التسريبات هو ضرب الثقة بالمؤسسة العسكرية لا تعزيزها.
صيغة الإطار
الى ذلك، أكّد مرجع دستوري لـ«الجمهورية»، أنّ ما يجري تداوله بشأن صيغة الإطار التي نوقشت في واشنطن لا يرقى، في هذه المرحلة، إلى مستوى اتفاق أو معاهدة بالمعنى الدستوري، وبالتالي لا يخضع للآليات الدستورية الخاصة بإبرام المعاهدات الدولية، ولا سيما لناحية عرضه على مجلس النواب.
وأوضح المرجع، أنّ المادة 52 من الدستور تميّز بوضوح بين المراحل التفاوضية وبين الاتفاقات والمعاهدات المبرمة، مشيراً إلى أنّ صيغة الإطار تُعدّ تفاهماً تقنياً وأمنياً مرحلياً يهدف إلى تنظيم مسار التفاوض أو آليات التنفيذ، ولا يشكّل اتفاقاً نهائياً يرتب التزامات دائمة على الدولة اللبنانية.
وأضاف، أنّ المفاوضات لا تزال مستمرة ولم تُفضِ بعد إلى اتفاق قانوني شامل، الأمر الذي يجعل الحديث عن وجوب عرض هذه الصيغة على مجلس النواب سابقاً لأوانه. ولفت إلى أنّ الاتفاق الذي يكتسب طابعاً نهائياً أو دائماً هو الذي يُعرض على مجلس الوزراء لإبرامه وفقاً للمادة 52 من الدستور. وأشار المرجع، إلى أنّ الدستور حصر وجوب موافقة مجلس النواب بفئات محدّدة من المعاهدات، وهي تلك التي تتعلق بمالية الدولة، أو المعاهدات التجارية، أو سائر المعاهدات التي لا يجوز فسخها سنة فسنة، وهي شروط لا تنطبق على صيغة الإطار المطروحة حالياً.
وختم المرجع بالتشديد على أنّ صيغة الإطار تمثل محطة إجرائية ضمن المسار التفاوضي، وليست اتفاقاً نهائياً أو معاهدة دولية تستوجب إحالتها إلى مجلس النواب في هذه المرحلة.
تواصل مع الأميركيّين
في السياق، يلفت مصدر سياسي لـ«الجمهورية»، إلى أنّ التأخير الإسرائيلي للمرحلة الأولى من صيغة الإطار حرّكت تواصلاً رسمياً مكثفاً مع الجانب الأميركي السياسي والعسكري، مع التأكيد على أنّ الأداء الإسرائيلي يخالف جوهر الإطار والأساس الذي بني عليه. وبحسب مصادر المعلومات، فإنّ ما يخشى منه الجانب اللبناني هو أن تكون المماطلة التي ظهرت من الجانب الإسرائيلي تخفي إرادة للتعطيل بصورة كاملة.
وبحسب المعلومات، فإنّ «الأميركيّين كانوا متجاوبين مع الطلب اللبناني، وأكّدوا صلابة الإطار والتزامهم بإنجاحه، وأنّ حضورهم سيكون فاعلاً وبصورة مباشرة، أكان في ما يخص المناطق التجريبية، أو تمكين الجيش اللبناني من أداء الدور المناط به. على أنّ الأساس هو وقف «حزب الله» لاستهدافاته وخروقاته ضدّ الجيش الإسرائيلي».
توجّس عربي
على أنّ اللافت للانتباه في هذا السياق، ما كشفته مصادر سياسية لـ«الجمهورية» عن «توجّس كبير» عبّر عنه مسؤول عربي كبير في «رسالة شفوية» وصلت عبر أحد السفراء إلى مسؤول سياسي رفيع، «من المقاربة الإسرائيلية لصيغة الإطار المعقودة مع لبنان، التي تجاوزته بصورة فاضحة إن لم تكن متعمّدة، أكان عبر تكثيف العمليات العسكرية في الجنوب، أو عبر الحسم القاطع من قِبل المسؤولين الإسرائيليّين بعدم الانسحاب من لبنان. كل ذلك لا يشجّع على التفاؤل بحسن تطبيقه». وكشف السفير المذكور، عن حركة اتصالات مباشرة وغير مباشرة على أكثر من مستوى عربي، ولاسيما مع الجانب الأميركي، بهدف تحصين صيغة الإطار من جهة، وتثبيت وقف إطلاق النار بصورة كاملة من جهة ثانية، لمنع نسف كل ما تمّ تحقيقه في المفاوضات».
وتلحظ «الرسالة الشفوية» وفق ما نقلها السفير العربي، تقديراً للموقف الرسمي اللبناني والجرأة التي اتسمّ بها في خوض معركة المفاوضات مع إسرائيل، وعبّر بتوقيعه على صيغة الإطار عن التزام كامل بمندرجاته، تحقيقاً لهدف تحقيق الانسحاب الإسرائيلي وترسيخ الأمن والاستقرار المستدامَين على جانبَي الحدود بين لبنان وإسرائيل.
بين العقوبات والاتفاق
في قراءة أوسع للتطوُّرات، يرى مصدر السياسي أنّ المنطقة دخلت مرحلة إعادة صياغة شاملة للتوازنات السياسية والأمنية، وأنّ لبنان بات جزءاً من مشروع إقليمي ودولي يهدف إلى تثبيت مؤسسات الدولة وحصر القرارَين الأمني والعسكري بيدها، باعتبار ذلك مدخلاً لأي استقرار طويل الأمد.
ويؤكّد لـ«الجمهورية»، أنّ هذا الواقع يفسّر تصاعد الضغوط الأميركية على أكثر من مستوى، سواء عبر الدفع نحو تنفيذ صيغة الإطار، أو عبر توسيع منظومة العقوبات المالية.
وبحسب المصدر، فإنّ الحديث عن ولادة جبهة سياسية موحّدة لإسقاط صيغة الإطار يبدو بعيداً عن الواقع، لأنّ لكل طرف من خارج تحالف «الثنائي الشيعي» حساباته الداخلية والخارجية، كما أنّ ارتباطاته العربية والدولية تجعل من الصعب تشكيل تحالف صدامي بهذا الحجم. لذلك، فإنّ ما يجري هو تباين في أساليب الاعتراض أكثر منه تحالفاً سياسياً متماسكاً.
ويضيف أنّ «استحضار تجربة اتفاق 17 أيار لم يعُد يعكس الواقع الحالي، إذ إنّ الظروف الإقليمية تبدّلت بالكامل». ويشير المصدر إلى أنّ واشنطن باتت تتعامل مع ملفات لبنان وسوريا والعراق باعتبارها مساراً واحداً، يبدأ بتعزيز سلطة الدولة، ويمر بإقفال مصادر التمويل غير الشرعي، وصولاً إلى إنهاء ظاهرة السلاح خارج المؤسسات الرسمية.
وفي هذا الإطار، يضع المصدر العقوبات الأميركية الأخيرة على «القرض الحسن» في سياق انتقال الإدارة الأميركية من استهداف المؤسسات إلى تفكيك البنية التشغيلية والإدارية التي تتهمها بإدارة منظومات مالية موازية، معتبراً أنّ توسيع دائرة العقوبات لتشمل مسؤولين وشركات محاسبة وتدقيق، يعكس رغبة واضحة في تجفيف مصادر التمويل تدريجياً ومنع إعادة إنتاج هذه الشبكات مستقبلاً.
ويرى أنّ الضغوط لن تقتصر على الجانب المالي، إذ تتقاطع مع مسارات قضائية وأمنية وسياسية، ما يوحي بأنّ المرحلة المقبلة ستشهد تشديداً متدرّجاً على كل مَن تعتبره واشنطن معرقلاً للمسار الذي تعمل على ترسيخه في المنطقة، من هنا يعود المصدر السياسي إلى «نقطة عدم القدرة على إنتاج تحالف ينسف صيغة الإطار أو يفشلها».
ولا يستبعد المصدر أن تتوسع العقوبات مستقبلاً لتشمل شخصيات سياسية، إذا اعتبرت الإدارة الأميركية أنّها تستخدم المؤسسات الدستورية لتعطيل أي تفاهمات أو اتفاقات مقبلة.
زيارة الشيباني
على صعيد زيارة وزير الخارجية السورية أسعد الشيباني إلى بيروت اليوم، كشفت مصادر ديبلوماسية سورية لموقع «تلفزيون سوريا»، أنّ الزيارة تأتي في إطار تحرُّك سياسي يهدف إلى فتح صفحة جديدة في العلاقات السورية – اللبنانية، بالتوازي مع طرح مبادرة سورية لدعم الاستقرار الداخلي في لبنان ومواكبة المرحلة السياسية التي تعيشها البلاد. وأوضحت أنّ الشيباني سيطرح خلال لقاءاته مبادرة سياسية سورية تقوم على مساعدة الدولة اللبنانية في الوصول إلى حصر السلاح بيد الدولة عبر مسار سياسي توافقي يجنّب لبنان أي مواجهة داخلية أو انقسام أمني، انطلاقاً من قناعة دمشق بأنّ معالجة هذا الملف يجب أن تتمّ بالحوار والتفاهم الوطني، وليس عبر فرض وقائع قد تؤدّي إلى اضطرابات داخلية.
وأضافت المصادر، أنّ اللقاء مع رئيس مجلس النواب نبيه بري سيكتسب أهمّية خاصة، إذ سيتركّز على سبل تخفيف الاحتقان الداخلي، وبحث إمكانية مساهمة سوريا، بالتنسيق مع شركاء عرب وإقليميّين، في احتواء أي توترات قد ترافق المرحلة المقبلة، ومنع انزلاق لبنان إلى صدامات داخلية في ظل التحولات الإقليمية الجارية.
في السياق، يرى مصدر سياسي مطلع في حديث لـ«الجمهورية»، أنّ «زيارة الشيباني إلى بيروت لا يمكن قراءتها كزيارة ثنائية عادية، بل تأتي ضمن مسار عربي متكامل لإعادة ترتيب العلاقات مع لبنان، بالتوازي مع المبادرات التي قادتها دول خليجية، مع فارق أنّ دمشق تمثل جزءاً من هذا الحراك بصفتها دولة عربية معنية مباشرة باستقرار لبنان».
وبحسب المصدر، يحمل الشيباني رسالة مباشرة من الرئيس السوري أحمد الشرع، تؤكّد احترام سيادة لبنان ورفض أي تدخّل في شؤونه الداخلية، وأنّ العلاقة التي تسعى دمشق إلى ترسيخها تقوم على التعاون بين دولتَين مستقلتَين.
أمّا في الملف الحدودي، فيشير المصدر إلى أنّ الجانبَين يدركان استمرار المشكلات الأمنية المرتبطة بعمليات التهريب والتجاوزات عبر الحدود، لذلك سيطرح الجانب السوري تصوُّراً عملياً يقوم على تعزيز التنسيق الأمني بين الجيشَين اللبناني والسوري، ووضع آلية مشتركة لمراقبة الحدود وضبطها، بما يحفظ سيادة الدولتَين ويحدّ من الفوضى الأمنية.
