حذّر الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في تصريحات لوسائل إعلام أميركية، الأربعاء، 4 شباط الجاري، المرشد الأعلى، علي خامنئي، مباشرة، قائلاً إن عليه «أن يكون قلقاً للغاية»، مؤكداً أن إدارته «تتفاوض مع إيران».
تعليق ترامب، أتى بعدما نقلت وكالة «أكسيوس» الإخبارية، عن مسؤولين أميركيين انهيار المفاوضات التي كان من المزمع إجرائها بين طهران وواشنطن في سلطنة عمان، والتي كانت قد حددت بتاريخ الجمعة في 6 شباط.
رغم حالة التخبّط التي رافقها ارتفاع في منسوب التوتر الناتج عن الخوف من الانزلاق نحو حرب كبرى في المنطقة، ومن ردّة فعل ترامب بإصدار أمر ضرب إيران، هو الذي أيّد في تصاريحه مطالب المحتجين الإيرانيين. إلّا أنّ أجواء تفاؤلية عادت إلى الواجهة، لتتحدث عن العودة إلى المفاوضات بضغط من دول عربية وإسلامية كما ذكر موقع «إكسيوس» الإخباري، فهل هذه الدول تحمل قلقاً من فشلها والذهاب إلى حرب؟
التقارير تحدثت عن عودتها بضغط من الدول العربية والإقليمية، على رأسها المملكة العربية السعودية وتركيا، بهدف إنجاحها، ليس من أجل النظام الإيراني، لكنّ تأميناً لمصالحهما. فالمملكة العربية، عليها أن تقلق من فشل المفاوضات، أي بعبارة مختلفة إن بدأت الحرب بين إيران وواشنطن. فرغم إعلان الرياض عن عدم السماح لاستخدام أراضيها وأجوائها لاستهداف إيران، لكنّ القلق يبقى حاضراً، هي التي سيتلقى ميزانها التجاري ضربة قاسمة، إن أقدمت طهران على إغلاق مضيق هرمز أو هدّدت الملاحة في البحر الأحمر والعرب، إذ ستواجه المملكة مشكلة في تصدير نفطها. هذا ليس كل شيء، فهناك تخوّف من أن يقدم الجيش الإيراني على استهداف قواعد عسكرية في المملكة، من خلال حركة الحوثيين في اليمن ما يعيد إلى الرياض ذاكرة لا ترغب العودة إليها، عندما أقدم الحوثي على تنفيذ ضربات بصواريخ باليستية طالت العمق السعودي.
كما السعودي، كذلك التركي الذي يعمل على تحقيق نجاح المفاوضات بين الجانبين، هو الذي يشارك طهران في توصيف الخطر الذي يتمثل في شخص رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، ذات الأحلام «الدونكيشوتية» ببناء إسرائيل الكبرى، الذي يستند على إضعاف الحضور التركي في المنطقة. تلمس أنقرة عمق الصراع مع تل أبيب من خلال سوريا والاعتداءات المستمرة لإسرائيل لعرقلة مسار بناء سوريا الجديدة، إن كان عبر تنفيذ ضربات مباشرة، أم عبر دعمها أفرقاء يطالبون بالتقسيم، أو من الرفض العلني الإسرائيلي لإعطاء أي دور تركي في غزة.
إن المتابع لحالة التوتر بين طهران وواشنطن، يدرك أن من عليه أن يقلق من الرفض الإيراني لإجراء التفاوض على ملفات كبيرة منها النووي الإيراني والصواريخ الباليستية وربما دفع إيران للتخلّي عن وكلائها في المنطقة، هو ترامب تحديداً. إذ رغم حديثه عن التحشيد الضخم في المنطقة، لكنّ هذا لا يعني أنّه قادر على إنهاء النظام في إيران، ولا على تطبيق سيناريو فنزويلا مع المرشد. فالحرب على إيران مكلفة في الوقت الذي بدأ التساؤل حول جاهزية واشنطن للدفاع عن تمركزها في المنطقة وعن إسرائيل مع الحديث الجديّ عن استنزاف مخزونات الأسلحة الأميركية، بحسب ما ذكرته صحيفة «ستارز آند سترايبس» الأميركية بتاريخ 9 كانون الأول الماضي، وهي صحيفة تعمل بتفويض من الكونغرس لخدمة القوات المسلحة الأميركية.
ليس هذا هو القلق الوحيد الذي يخرج من دوائر القرار الأميركي في حالة تنفيذ ترامب الضربة العسكرية على إيران، بل تخوّف عودة سيناريو «فيتنام» والحرب الطويلة التي قد تقع فيها واشنطن في حال لم يسقط النظام من الضربة القاضية. لقد ذكرت وكالة «فرانس برس» من طهران التي تصلها شحنات أسلحة روسية وصينية منذ ما عُرف بـ«حرب الـ12 يوما» في حزيران الماضي. في دلالة واضحة على إن بكين كما موسكو سيستغلّان تلك الحرب لجرّ واشنطن إلى حرب استنزافية في منطقة الشرق الأوسط، مع إيران ووكلائها الإقليميين.
لا يا سيد ترامب، قد يكون المرشد الأعلى في إيران، هو آخر من يشعر بالقلق، لأنّ لا شيء أمامه لخسارته، بعدما تقلّص نفوذه في المنطقة، بعد أحداث السابع من تشرين الأول عام 2023. إذ أدركت إيران أن الكثير من أوراقها سقطت، وإن الوضع الداخلي يهتزّ بعد حركة الاحتجاجات الواسعة التي تعتقد أنّها فرملتها، لكنّ عودتها وارد بعد حديث ترامب عنها ودعمه لحركة المحتجين، فهذا مؤشر جديّ على إنها عائدة. لهذا لن يقلق الخامنئي، هو الذي يعتبر إن «في انتصاره انتصار، وفي خسارته انتصار»، وهذا هو الخطاب الرسمي المعتمد في سياسة طهران، وحتى في وكلائها في المنطقة وحزب الله نموذجاً.
أيقن النظام في إيران أن استمراريته سيقتصر فقط على إدارة الشأن الداخلي، مطوّقاً بعقوبات ترهق موازنته، وإن إسقاط النووي وصواريخه الباليستية سيصبح «نمراً دون مخالب». هذا ما قد يجعل من إيران تناور على حافة الهاوية، فإن استطاعت الاحتفاظ بترسانتها الصاروخية، أو الاحتفاظ بوكلائها، يكون الانتصار من منظارها. وإن خاضت الحرب مع أميركا، فسيكون مصير قادتها الشهادة، وهذا أيضاً يعتبر انتصاراً بالمنظور العقائدي، لذا دعنا يا سيد ترامب نفتش من الذي عليه أن يقلق.
