Site icon IMLebanon

وكيف لا نذعر؟

ليس غريبا ان يثير رحيل القامات “النادرة” في لبنان كل هذا الاسى الذي يعكس رفض الكثير من اللبنانيين الإقرار بان لبنان الذي انتمى اليه الكبار او ساهموا في “صنعه” قد رحل معهم. الوزير السابق فؤاد بطرس لا يثير الا الحنين الاقصى الى “فلاسفة” الحكم والسياسة والفكر السيادي الاستقلالي على ما جسده مع الكبير الآخر غسان تويني. ولعلنا لا نتردد امام هذا الحنين الى لبنان الذي كان والذي برز في رحيل فؤاد بطرس في الجهر بأن شيئا كثيراً من التعلق بالمارونية السياسية التي رسخت معادلة تعايش وحكم ودولة يضحي الآن اكثر مشروعية من اي وقت سابق.

لم يعد يعنينا الاتجاه العقائدي الذي قام على لعنة المارونية السياسية كنهج حكم بالمقارنة مع دولة هذه الايام. ما يعنينا مع رحيل فؤاد بطرس اننا كنا في حقبات تاريخية امام ظاهرة شكّلها مع غسان تويني وقيل فيها انهما شكلا واقعيا العقل المفكر للمارونية السياسية بما لا يقلل حقبة توهّجها ولا قيمة هذين الفيلسوفين اللذين زرعا واقعيا في السياسة اللبنانية ما تركه ايضا في المبادئ الكبرى ملهم هذه السياسة شارل مالك. يحلو للبعض ان يتناول الامر من زاوية الارثوذكسية ونهجها.

الواقع ان الامر لا يقف هنا مقدار ما يتصل بفهم منطقي للنهج السيادي الذي جعل فؤاد بطرس في اذهان اللبنانيين احد ابرز مقاومي الوصاية الخارجية على الديبلوماسية والسياسة اللبنانية حتى قبل عقود من الوصاية السورية. كان فؤاد بطرس في سنواته الاخيرة يعاند من يخطئه بانه لم يدرج كل أسراره في كتاب مذكراته.

حتى بعد خروجه من الحكم وابتعاده عن المسؤوليات المباشرة ظل يقيم اعتبارا مقدسا مذهلا للأصول التي كانت تملي عليه دفن اسرار ذهبت معه.

الرجل كان من التواضع والابتعاد عن كشف كل ما عرفه الى درجة التقشف الشديد في التباهي بأدوار شديدة التأثير في رسم سيرته العلنية على رغم معرفة عارفيه بمدى شجاعته وعناده امام مسائل السيادة والكرامة الوطنية. هذا الكبير، كما الكبار امثاله، مارس السياسة بفهم مختلف اختلافا تاما عن الكثير من المفاهيم التي سادت في زمنه كما تلك السائدة اليوم. والحال انه يصعب تجاوز الجانب الشخصي وتذويبه في تناول هذه القامة.

تشعر انك من المحظوظين لأنك عرفته عن قرب ولأنك كنت تدأب على لقائه وتحظى بما يندر ان تسمعه في هذه الازمان من رجال امثاله. ولأنك كذلك تشعر بذعر اكبر لفراغ لبنان من فؤاد بطرس ومن فكرة انه وقلة نادرة مثله لن تتكرر وتاليا ان لبنان الذي صنعه عز حقبات الكبار، والذي صرنا نتوق اليه، حنينا قاتلا اليوم، ذهب ولن يعود !