Site icon IMLebanon

.. والأحياء ركاماً بلا أحياء

يقولون انهم اموات، هم في السنة الاولى او الثانية وربما في الاشهر الاولى من الحياة، باكرا جدا اكتشفوا معنى الكلمة، اكتشفوا ذلك عندما فقدوا قدرتهم على التفاعل مع ما يحصل حولهم. فبينما كانت براميل وصواريخ بشار الاسد تهطل على حيهم، كانت تختفي الاصوات لديهم. يدورون هم في ارضهم وينظرون الى هؤلاء الذين يصرخون، المدممين، والمتقطعة اشلاؤهم، فلا يرون سوى صورة سوداء، قطعة من الارض اكلها هوس السلطة واجرام الحاكم وجشع وطمع قوة اقليمية واسئثار القوة الدولية ولا مبالاة العالم، فسواها ركاما خالية من اي نبض حياة، ركاما يعانق جثث بشر صمدوا قاوموا جاعوا ولم يهزموا حتى بموتهم .

لو قدر وبدلت الاسماء على الصور، صور مجازر حلب الاسدية الايرانية، وصور مجزرة قانا الاسرائيلية، ماذا كان ليتغير، ومن اين سيستطيع اي مراقب او منظر ان يلتقط فرقا واحدا ولو بسيطا بين المأساتين لا فرق، الاجرام واحد ولو تبدل المجرمون. يكره النظام السوري شعبه، كما تكره اسرائيل الشعوب العربية، هذه الحقيقة بالصوت والصورة والدم. كل تفاصيل السنوات الخمس الماضية تؤكد ذلك، كل تفاصيل مجازر حلب شاهدة على ذلك، وكل تفاصيل مجزرة حلب الاخيرة ترسخ المعنى الحقيقي لحاكم مختل يجهد للبقاء على عرشه عن طريق ابادة شعبه مستقويا بمصالح ايرانية تصب في خدمة هدفه.

الصور المفجعة لا تحتمل أي جدل، ولا تترك متنفسا لمدّعي محاربة الارهاب والدفاع عن الاقليات في المنطقة للنطق بأي نظرية تناقض ما سبق. بين اشلاء الاطفال وسيل الدماء وكل هذا الدمار لا مكان لنظريات سخيفة لا تخدم سوى مطلقيها. احياء الرعب المهجورة من سكانها، الطفل المشوه بالكامل الراكد على شبه سرير في المشفى ويأخذ من كف اليد المطهر وسيلة تعوض له عن زجاجة حليبه ليغفو، الام التي تحتضن طفلها الذي استشهد رافضة التخلي عنه رغم كل محاولات المسعفين لابعادها عن الجثة، طفل آخر لم يكمل شهره الاول راكد على رجل ابيه المنهك ورجل يجلس بقربه عاجز حتى عن البكاء، اما الطفلة التي يصعب تمييز لون جثتها من لون الركام فانتشلها المسعفون من غرفة مهدمة، تبدو نائمة لم تجرح ولم تفقد اياً من اطرافها، ماتت خنقا، بعكس تلك الطفلة التي يسيل دمها من رأسها ويدها على القماش التي لفت به، هي ايضا لم يتعد عمرها بضعة اشهر ولن تشعر بحزن والديها الذين يمسكان بها غير مصدقين رحيلها.

سبق للنظام السوري ان وصل الى قمة الاجرام منذ بدء مجازره الجماعية على الاحياء المدنية وقوافل الاغاثة الدولية واستغلاله للهدن الانسانية المعلنة وخرقها وافشالها بوسائله الدموية التي يتقنها جيدا. صوره التي يصدرها الى العالم ليست بالجديدة، لكن مجددا هل كان يحتاج العالم الى رؤية كل هذه الصور؟ لن يتغير شيء، لا قبلها ولا بعدها، منذ العام 2011 ونظام الاسد هو مصدر الصور الاول للقتل حول العالم، قتل الاطفال تحديدا، تظهر صورهم فقط على مواقع التواصل الاجتماعي، تهب الحسابات الافتراضية لنصرتهم، اما في الواقع، على طاولات مفاوضات الامم وتشابك مصالح القوى وتمايل الوقائع السياسية والاقتصادية على وقع المعارك القتالية والقوة العسكرية وصولا الى الاجرام، فلا مكان لصور الاطفال، لن تعرف اسماؤهم ولا وجوههم ولا قصصهم، ولا تحتمل المناقشات كل هذه المأساة اصلا.

فطوبى لهؤلاء الذين ولدوا يوم ابتدع الاسد اقذر اساليب القتل لبقائه، طوبى لهؤلاء الذين تنقبض قلوبهم الصغيرة عند ارتجاج منازلهم جراء براميله الحارقة والمدمرة، لهؤلاء الذين يعيشون حاضرهم منتظرين موتهم المحتم فيما يعيش العالم ايامه بروتين مفاوضات سياسية سترسم بخط اشلاء طفولية دون ان يأبه للوقت الذي يمر، طوبى لهؤلاء الذين ينتظرون الخيبة حتى في لحظات نشوة الانتصار من خلال التقدم العسكري وكسر الحصار الذي تحققه قوات المعارضة حينا، لهؤلاء الذين لا يريدون من الحياة اكثر من فتحة صغيرة تدخل الهواء الى القلب المنقبض. ولهؤلاء الذين لا يتوقفون عن الصمود رغم الهلع ورغم نوباته. لهؤلاء حب كثير، وطمأنينة ستأتي، وروح تهرب من داخل الجسد الفاني الى رحاب جميلة عذبة الهواء والماء، وفيها يدجنونه، تمسكهم وتراقصهم وترسم قبلة خفية .