Site icon IMLebanon

وماذا إذا طلبنا مساعدة صندوق النقد؟

 

التفسير الذي أُعطي لكلام رئيس الجمهورية في عيد الجيش، أثار عاصفة قلق وبلبلة في الأسواق. واعتُبر بمثابة إشارة الى أنّ لبنان أصبح قريباً من مسألة طلب خطة إنقاذ من صندوق النقد الدولي. فهل إنّ الوضع وصل فعلياً الى هذه المرحلة؟ وماذا يحصل إذا طلبت الحكومة خطة إنقاذية؟ ما هي التبعات التي سيتحمّلها الناس، والبلد؟

 

في البداية، ينبغي وضع كلام رئيس الجمهورية في اطاره الجغرافي والزمني، لكي تسهل قراءةُ خلفياته، والرسائل التي يحملها. وقد اختار رئيس البلاد، وهو الحريص على المؤسسة العسكرية وحقوق ابنائها، مثل بقية المسؤولين، وربما اكثر انطلاقاً من خلفيته العسكرية، كقائد سابق للجيش، عيد الجيش لقول ما قاله. ورغم انّ حديثه كان موجّهاً الى كل اللبنانيين داعياً إياهم الى القبول بالتضحية من اجل الإنقاذ، إلّا أنه تعمّد مخاطبة العسكر تحديداً، بقوله لهم: «هل نرفض تضحية بسيطة ببعض المكتسبات ونحن الذين لم نبخل بها بالدم وبالحياة؟»

 

وبالتالي، اكتسب الكلام امام العسكر أهمية اضافية للأسباب التالية:

 

أولاً- انّ العسكريين المتقاعدين كانوا رأس حربة في النزول الى الشارع رفضاً للمَسّ ببعض مكتسباتهم في موازنة 2019. وساد انطباع انّ هؤلاء المتقاعدين يمثلون ايضاً العسكريين الموجودين في الخدمة الذين كانوا يدعمون تحركهم ضمناً، لأنّ مكتسبات المتقاعد اليوم، هي مكتسبات العسكري في الخدمة غداً.

 

ثانياً- التركيز على ضرورة خفض حجم القطاع العام كواحدة من وسائل الإنقاذ الاقتصادي، تعني المؤسسة العسكرية وبقية المؤسسات الامنية قبل سواها، إذ إنها تشكل في مجموعها حوالى نصف حجم القطاع العام من حيث العديد، واكثر من 60% من حجم هذا القطاع من حيث الإنفاق.

 

ثالثاً- يأتي كلام رئيس الجمهورية على ابواب البدء في إعداد مشروع موازنة العام 2020، وقد سبق ووعد انها ستكون إصلاحية، وتشكّل ركيزة البدء في مسيرة الاصلاح المالي والاقتصادي.

 

وبالتالي، لم يكن الكلام عن التضحيات يستهدف ما سبق وأُقرّ في موازنة 2019، من حيث اقتطاع ضريبة على رواتب التقاعد، بل كان يصوّب على ما هو مطلوب في موازنة 2020. وللتذكير، فإنّ خطة «ماكينزي»، وكذلك تقارير المؤسسات المالية الدولية توصي كلها بضرورة تطوير وتوحيد نظام التقاعد في لبنان، كخطوة ضرورية في مشروع الإصلاح والإنقاذ. وبالتالي، تقضي هذه الخطوة بإلغاء نظام تعويض نهاية الخدمة، حيث يوجد تقاعد. ومن المعروف انّ أفراد المؤسسات العسكرية والامنية يحصلون دون سواهم في القطاع العام، على تعويض ومعاش تقاعدي في الوقت نفسه.

 

في هذا الاطار الجغرافي والزمني ينبغي تفسير كلام رئيس البلاد الذي يؤشّر الى مرحلة متقدمة بلغها الوضع المالي، بدليل انّ عون خيّر اللبنانيين بوضوح، بين القبول بالتخلّي عن بعض مكتسابتهم بإرادتهم، وبين فقدان كل المكتسبات بواسطة وصاية مالية دولية قد يضطر لبنان الى اللجوء اليها اذا لم ينجح في اتّخاذ الخطوات المطلوبة للإنقاذ.

 

ماذا تعني الوصاية المالية الدولية التي قال عون إنّ لبنان قد يضطر اليها اذا لم يبادر الى اجراءات تلقائية تُجنّبه هذا الخيار؟ ما هي عواقبها؟ وهل من إيجابيات في مثل هذا الخيار؟ وهل أصبحنا على وشك الدخول في هذه الدائرة؟

 

هذه الأسئلة تحتّم تسليط الضوء على الدور الذي يلعبه صندوق النقد الدولي في حالات التدخّل لإنقاذ اقتصاديات الدول. وفي مراجعة سريعة للنماذج القائمة، يُلاحظ انّ دخول الصندوق الى بعض الدول انتهى الى فشل، وفي حالات أخرى تكلّلت جهودُه بالنجاح. ولعلّ التجربة المصرية هي النموذج الأحدث والتي أتت ثمارها. وقد تمكّن الاقتصاد المصري حتى الآن بمساعدة الصندوق، من إنجاز اصلاحات هيكلية، وفي سلوك طريق التعافي. واستحق هذا الاقتصاد الذي كان على شفير الانهيار رفع مستوى تصنيفه من قبل المؤسسات الدولية. ويستمر اليوم تنفيذ الخطة التي تمّ الاتفاق عليها مع صندوق النقد، لمزيد من التعافي وصولاً الى تطبيع الوضع.

 

كذلك يمكن إيراد التجرية التركية، في العام 2002، حين عانى الاقتصاد التركي أزمة خانقة واضطرت الدولة الى الاقتراض من صندوق النقد، ولبّت الشروط التي وضعها، ولو أنها فاوضت على تعديلها في بعض الأماكن. وتضمّنت هذه الشروط اتّخاذَ إجراءات لتشجيع ودعم أنشطة الأعمال وتحريرها من القيود القانونية، وخلق مناخ استثماري جاذب، وخصخصة القطاع العام، وتحرير سعر صرف العملة المحلية. ويمكن القول إن التجربة هنا ايضاً كانت ناجحة، وتمكّن الاقتصاد التركي في غضون خمس سنوات من التعافي، والانتقال لاحقاً الى مرحلة نموٍّ وازدهارٍ لافتة.

 

خلاصة القول، ليس صحيحاً انّ الاستعانة بصندوق النقد هي مجرد لعنة تصيب الدول، وتؤدي الى وصاية مستدامة. لكن في الحالة اللبنانية يعتبر الوصول الى هذا الحدّ أكثر من لعنة، لأنّ الحلّ متوفّر، ولا ضرورة للوصول الى الارتماء في أحضان مُقرضين جدد. ولا يزال لبنان، بوضعه الحالي، قادراً على الاستمرار من دون الحاجة الى الاستعانة بصندوق النقد. لكن المفارقة انّ الخطة التي سيطلب الصندوق تنفيذها معروفة مسبقاً، وهي قاسية في حق الطبقتين المتوسطة والفقيرة.

 

في المقابل، تستطيع السلطة اللبنانية أن تنفذ اختيارياً قسماً من هذه الخطة، وهذا ما قصده رئيس الجمهورية تحديداً. أما اذا كانت نية السلطة أن تستمر في الصمود فقط، وأن تدفع ثمن المزيد من الوقت، وبالتالي، دون أن تتجرّأ يوماً على حزم أمرها وتنفيذ خطة انقاذ طوعية وذاتية، فمن باب الأولى في هذه الحالة الاستعانة فعلاً بصندوق النقد منذ الآن، لأنه كلما بكّرنا في البدء بخطة الإنقاذ كلما كانت الكلفة أقل، وفترة التعافي أقصر. ولا بدّ من الاشارة الى انّ بعضَ مَن في السلطة يفكّر ربما، وعن سابق تصوّر وتصميم، في ايصال البلد الى مرحلة يضطر فيها الى طلب الإنقاذ من صندوق النقد، لأنه في هذه الحالة تصبح السلطة غير مسؤولة عن الإجراءات القاسية التي سيتحمّلها الناس. إنها طريقة للهروب من المسؤولية، واسلوب غير بريء لتحميل اللبنانيين أوزار الارتكابات الفظيعة المسؤولة عنها الطبقة السياسية منذ سنوات، وأوصلتنا اليوم كمواطنين، الى واحد من خيارين: التخلّي طوعياً عن قسم من مداخيلنا وحقوقنا لتسديد فاتورة خطايا لم نرتكبها، أو التخلي قسرياً عن معظم هذا الدخل والحقوق، والقبول بوصاية خارجية لم نكن لنحتاجها لو تحلّت الطبقة السياسية بالوعي والضمير والمسؤولية.