بعدما تأكد للبنانيين أن اتفاقاً على الحكومة حصل قبل شهرين واحتاج الى هذه المدة أو الى كلمة سرّ لاخراجه الى العلن، باتوا يشككون في حقيقة تصريحات المسؤولين ومدى تكاذبهم في اظهار الخلافات للتعمية على أمور أخرى، اذ يبدو أن اتفاقهم الباطن، والذي تحركه مجموعة ضخمة من المصالح المتداخلة، أقوى من صراعاتهم الظاهرة.
أجواء الولادة الحكومية، كما ظهرت للعيان، كانت ضبابية جداً حتى مساء أمس اذ كان مفترضاً أن يستقبل رئيس الجمهورية ميشال عون الرئيس المكلف سعد الحريري في الثامنة مساءً لعرض المسودة النهائية للصيغة الحكومية. لكن الاستعجال الذي كان سيد الموقف أول من أمس، أصيب بتباطؤ شديد، وبدا الاندفاع مفرملاً على رغم تأكيد مصدر متابع لـ”النهار” أن الضوء الاخضر الذي أطلق عملية التأليف لن ينطفئ، بل سيصار الى معالجة بعض التفاصيل الصغيرة اليوم، واذا حلت، فإن الولادة الحكومية ستكون قبل عيد الميلاد حتماً، لأن أي تأجيل سيدخلها مجدداً في نفق طويل غير معروف النهائية. لكن مقدمات أ×بار التلفزيونات الحزبية عكست أجواء تباعد مجدداً، وتناقضاً في الافكار، تولد قلقاً متزايداً لدى اللبنانيين، سواء أكانت عباراتها رسائل استفزاز وحث، أم كانت تعبر عن حال تباعد مستنفر العصبياتز
وفي هذا الاطار، قال الرئيس نبيه بري: “لم يعد أحد يقدر على التأخير. إن موضوع الحكومة أصبح كبيراً ويضغط على الجميع. ويمكن أن تحل الأمور بين ليلة وضحاها”.
عقدتان أطلتا أمس. عقدة الحقائب وعقدة تمثيل “اللقاء التشاوري” مجدداً. فبعد التصريحات السياسية والاعلامية التي أظهرت افراده كأنهم خدعوا وضربوا من بيت ابيهم، خرج هؤلاء بشبه اتفاق على اعادة لملمة صفوفهم وابعاد تناقضاتهم ومنع انفراطهم باكراً، فعقدوا اجتماعاً ايدوا فيه ترشيح جواد عدرا ضمن آخرين اذا اعلن انضامهم اليهم. لكن اجتماع هؤلاء بعد ظهر أمس لم يكن على مستوى الطموح لأن عدرا لم يحضر. وكان اللقاء كلف عثمان مجذوب وهشام طبارة لقاء عدرا ودعوته الى المشاركة في الاجتماع، لكنه لم يلب وابلغهما انه يريد اجراء مشاورات. وكان انتظار نحو ثلاث ساعات من دون جواب، ما خلف استياء في صفوف الستة.
وخرج “اللقاء” بموقف مفاده أن مني ريد أن يمثله “يجب أن يكون قلباً وقالباً وممثلاً للتشاوري. وان عدرا أمامه مهلة ساعات (اليوم) ليؤكد انه مع اللقاء والا فإن الأخير في حل من تسميته”.
وكان “اللقاء” أجرى اتصالات مع “حزب الله” وسمع منه أن لا حكومة من دون الوقوف على مطلب “التشاوري”. وأكد الرئيس بري الموقف نفسه.
أما عدرا، فصرح لـ”النهار” بأنه “ليس من المنطقي ان أصرح قبل صدور المراسيم وقبل تسميتي من فخامة الرئيس، ولكني مع اللقاء التشاوري ومع كل الكتل من أجل العمل على انقاذ البلاد”.
وربطت أوساط “التشاوري” الامر بسؤال عن عودة الوزير جبران باسيل الى المطالبة بـ11 وزيراً ليكونوا من حصته.
وسأل المصدر المتابع عبر “النهار”: وينك يا عدرا عشية هذا الميلاد المجيد؟ في تلاعب بالكلمات يتضمن اشارة الى طلب شفاعة العذراء مريم والحاجة المستمرة في لبنان الى اعجوبة لانتظام عمل المؤسسات.
أما العقدة الثانية التي برزت من جديد، فتتعلق بتوزيع الحقائب بعد توجه البعض الى اجراء تغييرات كان يعتقد أنها بسيطة لكنها بانت معقدة لأنها تعيد خربطة التفاهمات السابقة، ورأى فيها البعض افتعالاً لمشكلة لغايات أخرى. فالرئيس الحريري يصر على مقعد ماروني لتوزير غطاس خوري ويرفض استبداله بمقعد مسيحي آخر اذ يريد باسيل مقعداً مارونياً اضافياً والتنازل عن مقعد كاثوليكي بعدما صار تمثيل الكاثوليك كاملاً في حصة “تكتل لبنان القوي”.
وأجرى الحريري اتصالاً ببري وعرض عليه القبول بوزارة الاعلام فرفض، كما رفض عرضاً لتولي الثقافة أيضاً وأصر على البيئة.
وعرضت حقيبة الاعلام أيضاً على رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط ورفضها عوض الصناعة. أما باسيل، فيطالب بالبيئة إضافة الى قبوله وزارة المهجرين شرط أن تخصص لها الامكانات المالية.
ولدى التيار الأزرق انتشرت أخبار عن استبدال اسماء بأخرى وصارت كالبورصة صعوداً ونزولاً، فيما بدا المعنيون بالأمر من مرشحين وزاريين غير مدركين لحقيقة الأمر.