تتجه الأنظار اليوم الى الجلسة الأولى التي ستعقدها الحكومة الجديدة في قصر بعبدا بعد التقاط الصورة التذكارية التقليدية لأعضائها مع رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس مجلس الوزراء سعد الحريري، وستكون الخطوة الاجرائية الأولى للحكومة تشكيل اللجنة الوزارية التي ستناط بها مهمة صياغة البيان الوزاري وشروع هذه اللجنة فوراً في عقد اجتماعاتها لانجاز مهمتها ضمن مهلة شهر وربما قبل ذلك. وبدا واضحاً غداة صدور مراسيم تأليف الحكومة، سواء من ردود الفعل الداخلية عليها أو من الأصداء الخارجية لولادتها ان العامل الاقتصادي والمالي يطغى على نحو ساحق على الأولويات الملحة التي سيتعين على الحكومة مواجهتها بأن ثبت للأسرة المانحة الدولية بحد أدنى من امكانات تعويم الثقة بلبنان وسلطاته من خلال اطلاق اجراءات اصلاحية ملموسة وسريعة ومقنعة للتمكن من بدء وضع مقررات مؤتمر “سيدر” موضع التنفيذ.
ومع ان المشهد الداخلي اتسم بانطباعات غامضة سياسياً غداة الولادة الحكومية نظراً الى الالتباسات التي أحاطت ببعض الأحجام والحقائب الوزارية، فإن الارتياح الى تنفيس الاحتقانات المالية بدا سمة كبيرة أساسية من خلال تبدل ايجابي شهدته الأسواق المالية. لكن هذه الترددات الداخلية لم تحجب التحديات الكبيرة التي تنتظر الاختبارات الأولية الصعبة والدقيقة للحكومة بدءاً باثبات قدرتها على التزام تعهدات وسياسات اصلاحية جادة تتوافق عليها مكوناتها بعيداً من سياسات الاستقواء السياسي أو الثنائيات والثلاثيات بما ينذر بانقسامات مبكرة للغاية من شأنها ان تتهدد البلاد والحكومة بأسوأ العواقب. ولم يكن أدل على ذلك من الساعات الاخيرة غداة تأليف الحكومة اذ ان اصرار الفريق اللصيق برئاسة الجمهورية على التباهي بالحصول على الثلث المعطل كاد ان يفجر سجالات تحجب التطور الحكومي، حتى ان أعضاء في “اللقاء التشاوري” نفوا ان يكون وزير “اللقاء” ضمن الثلث المعطل فيما أعلن الرئيس بري مساء ان “هناك أسماء في الحكومة تتمتع بالثقة والسمعة الجيّدة، ولا أحد يملك 11 وزيراً”، مشيراً إلى أنّ “العقبات التي أخّرت ولادة الحكومة كانت داخلية ولم تُغيّر فيها أيّ شيء”. وأضاف إنّ “الجلسة التشريعية التي كنتُ أنوي الدعوة إليها لم تعد لها حاجة وأنجزنا في مجلس النواب خمسة أسداس القوانين المطلوبة من مؤتمر سيدر”.
وبدا لافتاً اتساع الأصداء الغربية والعربية والاقليمية حيال تشكيل الحكومة بما عكس انشداداً الى ترقب التطورات اللبنانية خلافاً للانطباعات التي تغلب على الاجواء الداخلية. واذا كانت الأصداء الغربية تتسم بدلالات بارزة أكثر من سواها فيمكن اختصار معظمها بأنها رحبت بتشكيل الحكومة “على رؤوس الشروط” اذ ان الترحيب بدا مشروطاً بالتشديد على التزام الحكومة الاصلاحات الاقتصادية والمالية من جهة وابراز مسألة النأي بالنفس عن الصراعات الاقليمية واتخذ ذلك دلالة بارزة في ظل تمثيل “حزب الله” واتساع نفوذه حكومياً وسياسياً من جهة أخرى.
ماكرون وواشنطن
وفي هذا السياق، جاء موقف الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون معبراً تماماً عن الترحيب المقترن بالتذكير بالتزامات لبنان، فأعرب لرئيس مجلس الوزراء سعد الحريري وللوزراء في الحكومة “عن تمنّياته بالنجاح الكامل في عملهم المستقبليّ في خدمة الشعب اللبناني إلى جانب الرئيس ميشال عون ورئيس مجلس النواب نبيه برّي وكل القوى الحيّة التي تشكّل المجتمع اللبناني في كامل تنوّعه”. وذكر “برغبة فرنسا في مواكبة لبنان على طريق الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية، ولا سيّما بفضل تنفيذ برنامج الاستثمارات المتعلّق بمؤتمر “سيدر” الذي انعقد في باريس في شهر نيسان 2018″.
أما الموقف الاميركي الذي جاء على لسان نائب الناطق بإسم وزارة الخارجية الاميركية روبرت بلادينو، فرحب بإعلان لبنان تشكيل الحكومة الجديدة وقال: “إننا إذ نشيد بالقادة اللبنانيين لعملهم معاً من أجل التغلب على العقبات السياسية التي أطالت أمد عملية التأليف، نتطلع إلى التعاون مع الحكومة الجديدة لتعزيز علاقتنا الثنائية. وفي هذا السياق، يتطلّع وزير الخارجية الاميركي الى زيارة لبنان.
ومع ذلك، فإننا نشعر بالقلق لكون “حزب الله”، الذي تصنفه الولايات المتحدة منظمة إرهابية أجنبية، سوف يستمر في تولي مناصب وزارية وقد أجيز له تسمية وزير الصحة العامة. إننا ندعو الحكومة الجديدة الى ضمان ألا توفر موارد هذه الوزارات وخدماتها دعما لحزب الله”.
وأمل ان “يعمل جميع الأطراف في الحكومة الجديدة على الحفاظ على التزامات لبنان الدولية، وسياسة النأي بالنفس عن النزاعات الإقليمية، بما في ذلك تلك الواردة في قراري مجلس الأمن رقم 1559 و1701”.
ورحّب رئيس مجلس الوزراء الإيطالي جيوزيبي كونتي “بهذا التطور الإيجابي الذي طال انتظاره في تعزيز استقرار البلاد ووحدتها وازدهارها”. وأعلن أنه سيلتقي الأسبوع المقبل رئيس الجمهورية اللبنانية ورئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الوزراء.
“موديز” مجدداً
بيد ان الجانب المالي والاقتصادي من ردود الفعل الخارجية اتخذ بعدا يتجاوز باهميته البعد السياسي نظراً الى الأجواء المشدودة التي سبق لبيانات وكالات دولية للتصنيف الائتماني أن أشاعها قبل أسابيع لواقع لبنان. وفيما تحدثت معلومات محلية أمس عن اتجاه دولتين خليجيتين الى وضع وديعتين ماليتين في مصرف لبنان احداهما بمليار دولار والأخرى بما يقل عن الأولى بقليل، رأت وكالة “موديز” للتصنيف الائتماني أمس أن الحكومة اللبنانية الجديدة ستواجه “تحدياً كبيراً” في ما يتعلق بخفض مستويات الدين.
وقالت إليسا باريزي كابون المحللة لدى “موديز” في مذكرة: “نتوقع أن تطبق الحكومة اللبنانية الجديدة بعض إجراءات التصحيح المالي بهدف إطلاق حزمة استثمارية قيمتها 11 مليار دولار أجلها خمس سنوات تعهدها مانحون دوليون خلال المؤتمر الاقتصادي للتنمية من خلال الإصلاحات ومع الشركات (سيدر) الذي عُقد في باريس خلال نيسان أبريل 2018… لكن، في ظل الضعف الشديد للنمو، فإن التصحيح المالي سيظل تحدياً كبيراً للحكومة”. وأضافت: “ما دام نمو الودائع ضعيفاً، ربما بسبب استمرار الضبابية في شأن قدرة الحكومة على تعزيز استقرار الاقتصاد الكلي، فإن الوضع المالي والمركز الخارجي للبنان سيظلان من الأضعف في الدول التي نصنفها”.
كذلك شدد البنك الدولي ومسؤولون في الأمم المتحدة على إنه يتعين على الحكومة اللبنانية الجديدة أن تعطي أولوية لإصلاح قطاع الكهرباء بعد أن أمضت أشهراً في خلافات على تشكيل مجلس الوزراء، وأن تسعى إلى معالجة الانقطاعات اليومية للتيار الكهربائي وما تتحمله الدولة من تكاليف ضخمة.