ما بين المضمون المالي والسياسي البالغ الاهمية للمؤتمر الصحافي الذي عقده الرئيس فؤاد السنيورة والاتجاهات البارزة الفرنسية – الحريرية للدفع بقوة نحو تنفيذ مقررات “سيدر” والتي اتضحت مع جولة المحادثات التي اجراها في بيروت المبعوث الفرنسي المكلف متابعة تنفيذ هذه المقررات السفير بيار دوكان، ظهرت المعطيات المتصلة بالواقع المالي والاقتصادي والانمائي في وجهها الضاغط وسط محاولات التسييس التي طبعت “حرب الوثائق” التي اراد لها بعض الجهات ان توجه عملية الاصلاح ومكافحة الفساد في اتجاه استهداف سياسي محدد. ولعل التطور الابرز الذي سجل بعد نحو أسبوعين من الانطلاقة العملية للحكومة الجديدة تمثل في التحرك القوي الذي تولته فرنسا لدعم رئيس الوزراء سعد الحريري في مسعاه المركزي والمحوري المتعلق بتقديم تنفيذ مقررات مؤتمر “سيدر” كأولوية أساسية لا ينبغي ان يضيع زخمها وسط تشتت الملفات والقضايا الداخلية الاخرى بالغاً ما بلغت أهميتها.
وشكلت جولة المحادثات التي اجراها الموفد دوكان مع عدد من المسؤولين في مقدمهم الرئيس الحريري والمواقف التي اعلنها بعد هذه اللقاءات والتي توجها بمؤتمر صحافي عقده مساء في قصر الصنوبر وأجمل فيه خلاصة الزيارة والاتجاهات التي ستعتمد لاطلاق عجلة تنفيذ مقررات “سيدر”، تطوراً بارزاً لجهة المعطيات التي توافرت عن المواقف التي نقلها دوكان باسم بلاده وكذلك معظم الدول المانحة التي ساهمت في تجميع اموال مشاريع “سيدر” التي تفوق 11 مليار دولار.
وتفيد هذه المعطيات ان لقاء بعيداً عن الاضواء عقد بين دوكان وممثلي الدول المانحة والمنظمات الدولية المعنية في قصر الصنوبر خلال وجود المبعوث الفرنسي في بيروت تخلله عرض للاستعدادات القائمة لاطلاق تنفيذ مقررات “سيدر” استناداً الى استعدادات الحكومة اللبنانية. وبدا التقويم العام ايجابياً ولو مشوباً بحذر وبضرورة مصارحة الجانب اللبناني بمحاذير التأخير الاضافي في اطلاق آليات الاصلاح بعد طول المدة التي استهلكتها عملية تأليف الحكومة وتركت آثاراً سلبية على الزخم المطلوب لتنفيذ مقررات “سيدر”. ويبدو ان دوكان صارح المسؤولين اللبنانيين بضرورة اعطاء دلائل سريعة في الاسابيع المقبلة على الجدية الحاسمة في التزام الاصلاحات وخصوصا في القطاعات الاكثر الحاحاً كالكهرباء والاتصالات والنفايات. وهو امر يستتبع تحريك الاليات الادارية بسرعة في هذه القطاعات سواء لجهة تشكيل الهيئة الناظمة في الكهرباء أو خصخصة بعض القطاعات في الاتصالات أو الشروع في وضع الخطط التنفيذية لازمة النفايات. وكان دوكان واضحا في قوله بعد لقائه الرئيس الحريري إن “على الحكومة أن تقوم بالعمل اللازم لتحديد الأولويات لديها. فهناك العديد من المشاريع التي عرضت خلال المؤتمر، وقد مرت فترة طويلة، وعليه لا بد من تحديد ما هي المشاريع التي يجب أن تنفذ في السنة الأولى ثم في السنة الثانية، وما هي المشاريع ذات الأولوية القصوى. من هنا لا بد من التحديد، وهو أمر طبيعي مع تشكيل الحكومة الجديدة”.
وأضاف: “على صعيد التمويل، إن المانحين موجودون، وهم على أتم الجهوزية لمساعدة لبنان في تمويل هذه المشاريع. وهنا أذكّر بأنه أُقر الكثير من التمويل من القطاع الخاص، ولا سيما في الشراكة بين القطاعين العام والخاص. وأما على صعيد الإصلاحات، فإن هناك إصلاحات قطاعية من أجل وضع المشاريع قيد التنفيذ، وهناك إصلاحات تدخل في الاقتصاد الكلي، وهي جوهرية وضرورية. وبتلاقي هذين النوعين من الإصلاح، هناك إصلاح قطاع الطاقة، الذي هو مشكلة تقع ضمن الاقتصاد الكلي، والعجز المتراكم على مؤسسة كهرباء لبنان يرخي بثقله على التمويل العام في لبنان. ومن دون كهرباء 24 على 24 ساعة، من الصعب دفع هذا الثمن أو تخيل حصول استثمارات في عدد من قطاعات الحياة الاقتصادية”.
وفي قصر الصنوبر قال دوكان: “استخلصت من هذه الزيارة ان لبنان مستعد للبدء بالاصلاحات وتبين ذلك خلال لقائي المسؤولين الذين اكدوا أن الحكومة لن تضيع المزيد من الوقت وستبدأ بانجاز التقدم والارادة واضحة لدى الجميع”.
ولفت الى أن “الحكومة اللبنانية ليس لديها الكثير من الوقت لكي تبدأ الإصلاحات… يجب تقديم خطة للاصلاحات في القطاعات المتفق عليها كي تكون الصورة واضحة عند المستثمرين لكسب ثقتهم”. وأكد أنه “ليس صحيحا ان اموال “سيدر” ذهبت، انها موجودة ولكن ليس للتوزيع او الصرف مجاناً، او بطريقة عشوائية”. وأعلن أنه “لم نحدّد أي وقت للحكومة اللبنانية للإصلاح ولكن عليها ان تبدأ”.
ردود السنيورة
وسط هذه الاجواء، اتسم المؤتمر الصحافي للرئيس السنيورة باهمية سياسية ومالية مزدوجة. فعلى الصعيد السياسي رسم السنيورة سقفاً عالياً جداً لمواقفه في الرد على مستهدفيه ومستهدفي الحكومات الحريرية كلاً حاملاً بعنف على “حزب الله” من دون ان يسميه. وبرز الالتفاف السياسي الواسع حول السنيورة من مشاركة شخصيات ونواب في “كتلة المستقبل” وقوى 14 آذار والحزب التقدمي الاشتراكي الى شخصيات مستقلة الامر الذي شكل في ذاته رسالة سياسية برسم مستهدفي السنيورة وما يمثله. أما الرد المالي، فجاء مفنداً ومفصلاً ولم يترك أي أمر خارج التوضيح وتبيان وجهة الصرف والانفاق خصوصاً في ملف الـ11 مليار دولار. واذ ادرج السنيورة الوقائع والجداول ضمن وثيقة سيوزعها على الرؤساء الثلاثة والنواب، أظهرت الارقام التي ضمنها هذه الوثيقة ان مبالغ الـ11 مليار دولار التي انفقت بين السنوات 2006 و2009 خصصت تفصيلاً لفروقات سلسلة الرتب والرواتب وغلاء المعيشة والانفاق على حساب موازنات سابقة وقوانين برامج ملزمة للحكومة وتسديد مبالغ اضافية لخدمة الدين العام وسلف اضافية لكهرباء لبنان ومدفوعات للبلديات ورديات الضريبة على القيمة المضافة ودعم فوائد مدينة من خلال المصرف المركزي وسلف للهيئة العليا للاغاثة ومجلس الجنوب وصندوق المهجرين ومجلس الانماء والاعمار ودعم وزارة الطاقة، الى بنود اخرى مفصلة. وفي تتويج لردوده السياسية قال السنيورة “إنّ الفساد الأكبر والشر الأعظم هو الفساد السياسي، ويعتبر فاسداً سياسياً كل من يقيم دويلات داخل الدولة، ويسيطر على مرافقها، ويغل يد القانون عن الوصول الى أي كان وإلى كل مكان، ومن يعطل الاستحقاقات الدستورية، ومن يحول دون تطبيق الأنظمة والقوانين، ومن يسخِّر النصوص القانونية فيجعلها كالجواري في بلاط القوة الفائضة”. وحمل بشدة على “من أدخل نفسه في مأزقه السياسي وتورط في النزاعات الإقليمية والدولية معرّضاً مصالح لبنان واللبنانيين والدولة، والتي لا قدرة لها ولهم على مواجهتها وأخذ الدولة رهينة وعرضها للمخاطر وعطل مؤسساتها ومواعيدها الدستورية، ومنع دوران العجلة الاقتصادية بصورتها الطبيعية وحجب أموال الجمارك عن خزينة الدولة عبر رسوم جمركية خاصة به في عدد من المنافذ، والذي صادر قرار الحرب والسلم، وخاض حروباً مدمرة للبلد واقتصاده وبنيته التحتية والتي كلفت الخزينة أموالاً باهظة وحالت دون استمرار تحقيق النمو المستدام”.
البطريرك
في غضون ذلك، ناشد البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي الحكومة “الإسراع في النهوض الاقتصادي، والحد من هدر مال الدولة، وضبط الفساد المستشري في الإدارات العامة”. وقال في عظة القاها مساء أمس: “لتصغِ الحكومة إلى صرخة التجار وتنظر بروح المسؤولية إلى واقع القطاع التجاري الذي يشهد أسوأ حالة من الركود: فالمحلات تغلق أبوابها تباعاً، والإفلاس يصيب المؤسسات والشركات، وما يستتبع ذلك من صرف للأجراء والموظفين والتسبب بأزمة معيشية حادة، فضلا عن افتقاد الأسواق للكتلة النقدية، وتهريب السلع عبر الحدود، وثقل النازحين السوريين الباهظ على اليد العاملة اللبنانية، وسواها من العوامل التي أوصلت الحالة الاقتصادية إلى الأزمة الخانقة”.