تبدأ الثلثاء المقبل، بعد عطلة الجمعة العظيمة وعيد الفصح لدى الطوائف المسيحية التي تتبع التقويم الشرقي، المرحلة الثانية من المراحل الشاقة في استحقاق اقرار موازنة 2019 التي وزعت “مجلدات” من نسخها أمس على الوزراء استعداداً للشروع في مناقشتها في جلسة لمجلس الوزراء. ويبدو واضحاً ان ثمة استنفاراً حكومياً اتفق عليه بين رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ورئيس الوزراء سعد الحريري ووضع الوزراء في أجوائه على ان تتفرغ الحكومة لعقد جلسات متعاقبة لمجلس الوزراء بدءا من الثلثاء والخميس الأسبوع المقبل وتباعاً ولو انعقدت جلسات يومية من أجل اقرار الموازنة في صيغتها النهائية واحالتها على مجلس النواب في أسرع وقت لكي تتاح للمجلس المهلة الكافية لمناقشتها واقرارها قبل نهاية أيار وهو موعد انتهاء مفاعيل قانون الصرف على القاعدة الاثني عشرية.
وكانت البنود المتعلقة بموظفي السكك الحديد، والصرف على القاعدة الاثني عشرية، ونفقات السفر، أثارت نقاشاً حاداً في جلسة مجلس الوزراء التي انتهت بادراج مشروع قانون الموازنة العامة في جدول اعمال جلسات متعاقبة من الأسبوع المقبل، بدءاً من الثلثاء. ويقع مشروع قانون الموازنة العامة في 1200 صفحة وتقرّر توزيعه على الوزراء منذ ليل أمس تمهيداً لبدء نقاشه في جلسة الثلثاء في بعبدا. هذا ما أبلغه رئيس الحكومة إلى مجلس الوزراء، بعد اتفاقه ورئيس الجمهورية في خلوتهما قبل الجلسة. ومع ان الرئيس عون ترك موضوع الموازنة الى ما بعد الانتهاء من جدول الاعمال، كانت هناك “طحشة” عليه بدأت مع قرارات كثيرة بفتح اعتمادات وصرف على القاعدة الاثني عشرية رأى فيها نائب رئيس الوزراء غسان حاصباني “تقّالات” على الموازنة قبل اقرارها. كما فتح سجال مالي في شأن البنود الثلاثة المتعلقة بتسوية رواتب موظفي مؤسسة المحفوظات ومرفأ طرابلس وموظفي مصلحة النقل المشترك والسكك الحديد.
وطالب الرئيس عون بموازنة تؤمن التوازن بين الواردات والنفقات، وتحدّد مصادر الواردات أكانت من الضرائب والرسوم الموجودة أو من موارد أخرى، مشدداً على مقاربة دقيقة للأرقام، وفق جداول واضحة للواردات والنفقات. وأكد أن كل ما قيل في الاعلام لا ينطبق على الواقع ولا يمكن الحديث عن أرقام موازنة الا بعد اقرارها في مجلس الوزراء.
أما وزير المال علي حسن خليل، فقال إنه جاهز لعرض الموازنة وكل ارقامها قابلة للنقاش، وما يخرج في الاعلام لا يعكس الحقيقة.
ودعا الرئيس الحريري الوزراء الى الاطلاع على المشروع، ودرس موازنات وزاراتهم تمهيداً للجلسات المتواصلة.
وبند تقنين السفر للوفود والشخصيات الرسمية الذي تستّر مجلس الوزراء على مضمونه، أقرّ مبدئياً والزم مجلس الوزراء آلية تعتمد من الآن وصاعداً، وعهد الى الامين العام لمجلس الوزراء والمدير العام لرئاسة الجمهورية في وضعها، وارسالها الى الوزراء لإبداء ملاحظاتهم عليها، تمهيداً لإقرارها في مجلس الوزراء. وقرّر مجلس الوزراء الشروع في عدم ارسال وفود الا في حالات الضرورة القصوى، وخفض اعدادها. واعلن وزير الخارجية جبران باسيل عدم توقيعه بعد اليوم على صرف اعتمادات لسفر موظفين على سبيل التسوية الا بعد موافقة مجلس الوزراء وباستثناء الحالات الطارئة.
أما بند رفع الحد الادنى للرواتب والاجور واعطاء زيادة غلاء معيشة لموظفين، وقت يجري البحث عن توافق سياسي يضمن اقرار موازنة تقشفية، فكان له وقعه في مجلس الوزراء، وأثار استغراب أكثر من وزير. وسأل الوزير اكرم شهيب: لماذا لا ترجأ هذه التسويات لتكون ضمن الموازنة؟ ودعا الوزير محمد فنيش الى عدم اتخاذ القرارات تحت ضغط الاعلام. وأقرّ الرئيس الحريري بأن الاعلام في الاسبوعين الاخيرين أثّر على الكثير من القرارات التي ستتخذ في الموازنة. وعلى رغم التحفظات والاعتراضات تقرّر مساواة هؤلاء الموظفين بسائر موظفي القطاع العام، ولكن لم يعط موظفو المحفوظات المفعول الرجعي الذي طالبوا به.
ودافع وزير الاشغال والنقل يوسف فنيانوس عن موظفي النقل المشترك والسكك الحديد فقال: “يجب تطبيق القانون الذي يساوي بين هؤلاء وباقي موظفي القطاع العام. وأنا أتحمّل المسؤولية كاملة عن انصاف هؤلاء”. ولفت وزير المال الى ان 93 مؤسسة عامة شملها قانون سلسلة الرتب والرواتب اربع منها فقط لم تصحح رواتبها ووزارة المال تدرس جداولها.
وبعد الجلسة، تحدّث وزير المال علي حسن خليل فأكد “ان كل ما اشيع حول مضمون مشروع الموازنة هو غير صحيح، وبالأخص في ما يتعلق بمسألتي الرواتب والتقاعد”.
ولكن ماذا عن اجواء الكتل المشاركة في الحكومة حيال الاتجاهات الاصلاحية واجراءات الخفض التي ستخضع لها الموازنة مبدئياً؟
مناخات مشجعة؟
وكشفت مصادر وزارية بارزة لـ”النهار” في هذا السياق ان لقاء الرئيسين عون والحريري قبل جلسة مجلس الوزراء أمس اتسم باجواء مشجعة للغاية انطلاقاً من عاملين أولهما توافق الرئيسين على ضرورة اطلاق مسار اقرار الموازنة بسرعة بعد عطلة الفصح الشرقي بما يضع البلاد واقعياً أمام مناخ ايجابي ايذاناً بانفراج يحمله انطلاق الاستحقاق الاصلاحي والمالي. وثانيهما ان المعطيات التي أطلع الرئيس الحريري رئيس الجمهورية على مواقف الافرقاء الحكوميين الذين أبلغوها اليه تتسم بتحسس كبير للمسؤولية حيال ضرورة خفض العجز واثبات قدرة الحكومة على مواجهة المرحلة الصعبة والبدء باشاعة اجواء طمأنة حيال الاتجاهات التي ستسلكها المعالجات المالية بدءاً من اقرار موازنة متقشفة. وهو الامر الذي يحمل على الاعتقاد انه على رغم مخاض قد لا يكون سهلا في مناقشات مجلس الوزراء للموازنة فانها ستمر في النهاية عبر نفق اصلاحي بارز وملموس.
جعجع
في غضون ذلك، برز موقف لرئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع خلال احتفال اقامته “القوات” في مقرها العام في معراب احياء لذكرى الإبادة الأرمنيّة ومجازر “سيفو”، اذ قال إنه “ليس بالسّيف وحده يموت الإنسان بل بكلّ عمل يؤدّي الى إضعاف دولته وبالتّالي وجوده”. ورأى أن “هذه المرحلة الدّقيقة تتطلّب الابتعاد عن سياسة المحاور وسياسة التفرد في اتّخاذ القرارات خارج الإجماع الحكوميّ، فمصادرة القرار الاستراتيجيّ للدّولة تؤدّي في نهاية المطاف الى خراب البصرة، وإغراقها بمئات الآلاف من النازحين يؤدّي الى تذويبها. كما أن سوء إدارة الدّولة يؤدّي إلى فقدانها لمناعتها واهترائها، وانتشار الفساد، لا سيّما على المستويات السّياسيّة في الدّولة، يعطّلها وينهش لحم مواطنيها”. وشدد على “أننا في الوقت الحاضر نعيش هذه الظواهر ونعانيها كلّها، نحن في “القوات اللبنانيّة” واعون تماماً لهذا الواقع الأليم، وسنكمل صراعنا ضدّ تلك الأمراض كلّها حتّى النّهاية. لن نتراجع أمام ايّ تهديد، وسنكمل ولو بقينا وحدنا. لن نستكين قبل بلوغ الهدف المنشود: دولة لبنانيّة بكلّ ما للكلمة من معنى، في يدها وحدها قرار السّلم والحرب. جمهوريّة قويّة. قويّة بحسن إدارتها ونظافة مسؤوليها. جمهوريّة بتصرّف شعبها، تسهر على مصالحه، على أمنه، على مستقبل أولاده، لا جمهوريّة شكليّة تسلّم قرارها للآخرين، ينخرها الفساد، ويعشش فيها الفشل”.