على رغم توافر الغطاء مبدئياً لاقرار مشروع موازنة 2019، بإصلاحات مالية وتدابير تقشفية، تقي البلد شر الانزلاق نحو الهاوية، وتنقذ سمعته المالية أمام المجتمع الدولي، وتتيح له الافادة من مساعدات دولية ولا سيما منها تلك التي أقرت في مؤتمر “سيدر”، الا أن الحسابات السياسية والمزايدات الشعبوية حاصرت أمس مجلس الوزراء الذي عقد جلسته الأولى للاطلاع على مشروع الموازنة وسماع شروح وزير المال علي حسن خليل عنه. فقد انعقدت هذه الجلسة على وقع اعتصام العسكريين المتقاعدين الذين بادروا الى إقفال مداخل مصرف لبنان ومرفأ بيروت ووزارة المال، مهددين بتصعيد اضافي لتحركهم. واسترعى الانتباه في التحرك مشاركة النائب شامل روكز فيه، وتصريح وزير الدفاع الياس بوصعب بانه يرفض أي اجراء في حق العسكريين، يؤيده رئيس الجمهورية ميشال عون، ما بدا خروجاً عن التضامن الحكومي لمشروع أعد برعاية مختلف الأفرقاء السياسيين لإزالة العراقيل من طريقه.
هذا التصريح وتلك المشاركة، حملا وزير المال على التغريد ان “بعض السياسيّين المتقاعدين يلعبون دور التحريض وأتمنّى عدم استغلال المعتصمين في السياسة ورمي أي كلام غير مسؤول ولن أرضى بالمسّ بحقوق المتقاعدين”، جازماً “ألاّ حسم من المعاشات ولا مسّ بالحقوق المكتسبة والنقاش الباقي غير واقعي”. ووصف “الحديث عن استهدافهم” بأنه “أوهام عند البعض المريض بتقمص أدوار البطولة”.
وكان علي حسن خليل استبق الجلسة الحكومية بالتأكيد “أن لا مسّ بالأجور ولا ضرائب جديدة ولا زيادة للضريبة على القيمة المضافة في الموازنة، وما يتم تداوله اليوم عن استهداف المؤسسة العسكرية لا أساس له من الصحة”.
لكنّ طمأنة خليل لم تفعل فعلها في ضوء موجة تحركات تصاعدية مقررة طوال الاسبوع، اذ أعلن اتحاد النقابات العمالية في المؤسسات العامة والمصالح المستقلة الإضراب العام والإقفال التام في جميع المؤسسات العامة والمصالح المستقلة يومي الخميس والجمعة 2 و3 أيار إضافةً إلى يوم السبت للمؤسسات التي تعمل في هذا اليوم.
والحكومة التي اجتمعت أمس لدرس مشروع الموازنة، تعقد اجتماعاً ثانياً ظهر اليوم في السرايا الحكومية، في ظل مساع وحركة اتصالات لتعويم وضعها ومواجهة تهديد الشارع، خصوصا بعدما بادرت جهات عدة الى الاعتراض على الاجراءات التقشفية ومنها جمعية المصارف، والقضاة، واساتذة الجامعة.
والى المداخلة التي قدمها وزير الاقتصاد منصور بطيش خلال الجلسة والتي تضمنت 14 اقتراحاً لخفض العجز في الموازنة، أبرزها زيادة الضرائب 3% على البضائع المستوردة لحماية الصناعة اللبنانية، الامر الذي اعترض عليه عدد من الوزراء، ولا سيما منهم محمد فنيش ومحمد شقير اللذان اعتبرا ان ذلك يشكل زيادة 3 في المئة للضريبة على القيمة المضافة على كل البضائع وتالياً فإنها تطاول كل الناس. والنقطة الثانية التي شكلت محور جدل، كانت الجيش اللبناني، اذ أوضح وزير المال انه لم يتم التطرق الى خفوضات لرواتب العسكريين، لافتاً الى ان وزير الدفاع الياس بو صعب يزايد علينا في هذا الموضوع، حين طرح صباحاً من عرسال رفضه لأي خفوضات تمس العسكريين.
أما الوزير جبران باسيل، فقد رأى ان هناك مزايدة من البعض، مشدداً على أن الحلول لعجز الموازنة يجب ان يتشارك فيها الجميع، أي المصارف والقطاع العام. ونقلت “او تي في” عن باسيل قوله إنه “لن يقبل إطلاقاً بعدم وضع اعتماد طريق القديسين ومرفأ جونيه في موازنة 2019 وإلا لن يمشي أي مشروع آخر في البلد”، ليرد عليه علي حسن خليل بتغريدة جاء فيها: “ماكينة التحريض تحاول ان تحدث فتنة لا أساس لها، مشروع طريق القديسين ومرفأ جونية في صلب الموازنة ولم يلغ أي اعتماد مخصص لهما كما لم تلغ اعتمادات أي من المشاريع، وعلى الذين يريدون تسجيل انتصارات وهمية ان يدققوا في الموازنة وارقامها ليكتشفوا خطأهم”.
وأبدى الرئيس نبيه بري ارتياحه إلى المسار الذي يسلكه مجلس الوزراء في مناقشة الموازنة العامة، وهو ينتظر انتهاء الحكومة منها واحالتها على مجلس النواب. ومن المتوقع الانتهاء منها في الأيام العشرة الأولى من أيار. وقال بري أمام زواره إن مجلس النواب يحتاج إلى شهر لمناقشة الموازنة تمهيداً لاقرارها على أن تتفرغ لجنة المال والموازنة لهذه المهمة. ومن المرجح ألا يدعو بري الى أي جلسة عامة طوال هذا الشهر بغية تفرغ النواب لمهمة إقرار الموازنة نظراً إلى الأهمية التي تمثلها.
