بدا أمس ان المهمة التي تولاها مساعد وزير الخارجية الاميركي لشؤون الشرق الادنى السفير ديفيد ساترفيلد في بيروت وسط تكتم لبناني – اميركي مشترك عكسه التزام المسؤول الديبلوماسي الاميركي الصمت وامتناعه عن اصدار أي بيان طغى على وتيرة المراوحة التي تطبع جلسات مجلس الوزراء لانجاز الموازنة والتي ستمدد بفعل “الجرجرة” الحاصلة الى الاسبوع المقبل. ذلك ان دلالات ومؤشرات ايجابية برزت عبر جولة المحادثات التي اجراها ساترفيلد مع رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري ولقاءين عقدهما تكراراً مع رئيس الوزراء سعد الحريري ووزير الخارجية جبران باسيل بما يعد بتصاعد نتائج ايجابية من حيث قبول واشنطن بالاقدام على وساطة جديدة بين لبنان واسرائيل في رعاية الامم المتحدة في شأن، حول ترسيم الحدود الجنوبية البرية والبحرية.
ورصدت أجواء إيجابية اذ أكدت مصادر وزارة الخارجية انه تم التركيز على ترسيم الحدود البرية والبحرية، وجرى عرض متبادل لوجهات النظر التي تطابقت في الكثير من الامور، وعرضت الاحتمالات أو النقاط التي يمكن ان تعرقل مشروع الحل المتوافق عليه لبنانياً وأين يمكن ان يعرقل. ولفتت المصادر ان باسيل قدم عدداً من المخارج التي تحفظ للبنان كامل حقوقه البرية والبحرية وتحقق مصلحته الوطنية.
وعلمت النهار ان ساترفيلد التقى سفراء من دول الاتحاد الاوروبي المعتمدين في لبنان وأطلعهم على اجواء اتصالاته في لبنان والمسعى الذي يقوم به الى جانب موقف بلاده مما يدور في المنطقة من تطورات. ورفض الديبلوماسي الاميركي الاجابة عن اي سؤال يتعلق بمهمته الحالية في بيروت، لكنه وجه عبر “النهار”، “رسالة تقدير للبطريرك الراحل مار نصرالله بطرس صفير” وقال “ان البطريرك كان رجلا كبيرا وكان له اثر كبير في تاريخ لبنان وان الولايات المتحدة قدرت عاليا الدور الذي قام به”.
إلّا ان مصادر ديبلوماسية أبلغت “النهار” ان ساترفيلد سيعود الى بيروت في وقت قريب مما يفيد ان اجواء اللقاءات التي عقدها كانت ايجابية. وقالت ان هناك حرصاً لبنانياً على الاستفادة من الحماسة الاميركية من أجل الترسيم والتي يعتقد انها مدفوعة بحماسة اسرائيلية للترسيم براً في شكل خاص وهو أمر أدى الى ترجيح اقتراحات رئيس مجلس النواب في هذا الاطار والذي رفض انجاز الترسيم البري على ان يترك الترسيم البحري لوقت لاحق خشية ان تأخذ اسرائيل ما تريده من الترسيم البري وتهمل الترسيم البحري. وتحدثت المصادر المعنية عن حرص على التكتم على تفاصيل اللقاءات مع ساترفيلد حرصاً على انجاح فرص التفاوض وليس احباطه. ويشار الى ان ساترفيلد زار ثانية مساء الوزير باسيل بعد لقائهما الصباحي.
وكشفت مصادر معنية ان الأجتماع في بعبدا تناول الأفكار التي سبق لرئيس الجمهورية ان ارسلها مع السفيرة الأميركية في ما خص ترسيم الحدود البحرية والألية التي يمكن اعتمادها في هذا المجال، واستوضح ساترفيلد بعض النقاط لجهة تطبيق الألية وتم التشاور في موضوع ترسيم الحدود البرية ومن المتوقع ان يزور المسؤول الأميركي الأراضي الفلسطينية اليوم من أجل جلاء الموقف الأسرائيلي من المقترحات التي قدمها لبنان. وعلم في هذا المجال، ان موضوع الترسيم البحري لا يزال غير محسوم ولبنان يطرح ان تكون المسأل’ في عهدة لجنة ثلاثية لبنانية دولية من خلال الأمم المتحدة واسرائيلية بمتابعة اميركية.
وأوضحت المصادر ان مشاركة الأمم المتحدة في الترسيم البحري غير محسوم لأنه سبق لاسرائيل ان اعلنت عدم موافقتها على هذه المشاركة وهذا موقف قديم لها ولا يزال قائماً، وكشفت ان الأميركيين يحاولون معرفة ردة الفعل الأسرائيلية على الأفكار اللبنانية. وعن تلازم مساريْ الترسيم، أوضحت المصادر ان هذه النقطة تستدعي البحث وأكدت ان ساترفيلد أبدى استعداد الولايات المتحدة الأميركية للمساعدة اذا وافق الطرفان اللبناني والأسرائيلي على ان يحضر الأميركيون بصفة مساعدين وبالتالي لا مشكلة لدى الأميركيين ان يشاركوا في المفاوضات اذا وافق الطرفان انما بصفة مساعديين أو مسهلين لتقريب وحهات النظر. وهذه الأفكار سيحملها ساترفيلد الى المسؤولين الأسرائيليين على ان يعود الى بيروت من اجل متابعة الموضوع في ضوء الجواب الأسرائيلي.
مراوحة
في غضون ذلك، لم ينته مجلس الوزراء من مناقشة مواد الموازنة ولا في أرقامها التي تنتظرها وزارة المال مع فريقها المختص لتبني عليها مراجعتها النهائية.وقد تقرر رفع الجلسة الى الاولى والنصف بعد ظهر غد الجمعة، بعدما كان الرئيس الحريري يرغب في استكمال البحث في جلسة ثانية ليل أمس، الا انه عدل عن ذلك بسبب ارتباطات لعدد من الوزراء، فضلاً عن حاجة وزارة المال الى ترتيب الارقام والمواد التي أعيد نقاشها أمس. وتوقعت مصادر وزارية ان تمتد الجلسات الى الاسبوع المقبل بسبب الحاجة الى مزيد من مراجعة المواد القانونية والأرقام المعدلة.
ولعل من أبرز المواضيع التي ما زالت موضوعة جانباً على رغم التأكيدات الوزارية ان لا مس بالرواتب، اقتراحاً باقتطاع نسبة من الرواتب فوق المليوني ليرة بشكل تصاعدي ووفق شطور. كذلك لم تبت وسيلة توزيع العسكريين وفق التدبير الرقم ٣ واعلن وزير الدفاع الياس بو صعب ان ذلك ينتظر اجتماعه اليوم مع وزيرة الداخلية ريا الحسن لوضع ورقة مشتركة ترفع الى المجلس الاعلى للدفاع وهو الذي يفصل في توزيع المهمات بين الجيش وقوى الامن الداخلي.
وكشفت مصادر وزارية لـ”النهار” ان الاجواء لم تكن جيدة وان وزراء “القوات اللبنانية” أبدوا اعتراضهم على اعادة النقاش في نقاط كان كانت أقرت خلال الاسبوعين السابقين. والاعتراض طاول جملة أمور في مقدمها انه لا نصوص ولا ارقام نهائية بين ايدي الوزراء لاعادة النقاش في ما تمت مناقشته وهذا يعني ان موازنات وزارات بكاملها لم توضع على طاولة مجلس الوزراء بعد ويخشى ان يؤتى بارقام نهائية فيها في الجلسة الاخيرة فلا يتاح النقاش فيها فيما تحال بعد ذلك الموازنة على مجلس النواب. وقالت مصادر وزراء “القوات” إن هناك ثماني نقاط من أصل النقاط العشر التي طرحها الوزير باسيل كانت نوقشت وتم بتها سابقا فيما لا بحث بعد في الواردات الكبرى كالاملاك البحرية ويخشى ان يؤثر طول النقاش سلباً على الاسواق المالية. وأضافت هذه المصادر ان وزراء “القوات” تقدموا باقتراحات بـ450 مليارا لتناقش ولكن لم يبحث فيها. وصرح نائب رئيس الوزراء غسان حاصباني: “كوزراء القوات اللبنانية، وبعد مرور عدد كبير من الجلسات التي شهدت نقاشاً جدياً ومجدياً، وتناولت العديد من النقاط، نرى أن اليوم هناك العديد من النقاط التي تمت مناقشتها سابقا والتوصل إلى قرارات معينة حولها، تطرح من جديد، حتى أن بعضها لا يتم تعديله، ولكن فقط مناقشته، وليس أمامنا بعد نص نهائي لهذه المواد القانونية في الموازنة والأرقام النهائية الناتجة منها لكي نجري مراجعة نهائية وشاملة للموازنة. إضافة إلى أن عدداً كبيراً من هذه النقاط التي يعاد النقاش فيها تكراراً ومراراً، أثرها المالي أقل بكثير من نقاط أكبر وأهم. لذلك نتمنى، وكما تمنينا لمجلس الوزراء، أن يكون أمامنا النص النهائي واحتسابات الأرقام النهائية والكبرى والشاملة، لكي نتمكن من إجراء نقاش جدي وقراءة نهائية، أو ما قبل النهائية، للموازنة، وإذا كان هناك من تعديل أو نقاش على هذه النصوص فنقوم به، لكن بناء على النصوص التي اتفقنا عليها”.
ورأى وزير الاعلام جمال الجراح انه “ربما لا ننتهي هذا الأسبوع، لأن كل الاقتراحات لا يمكن إلا أن نأخذها في الاعتبار وندرسها. فإذا طرح اقتراح يخفض إنفاقاً غير ضروري أو يزيد دخل الدولة فبالتأكيد الحكومة ستبحثه. لكن الجمعة سنعقد جلسة عند الواحدة والنصف، وقد نتأخر فيها كما حصل اليوم، على أمل أن ننتهي الجمعة. هناك اقتراحات سندرسها وأرقام سيقدمها وزير المالية وسنجري قراءة نهائية للأرقام على أمل أن ننتهي وإن لم ننته فالاثنين المقبل”.