Site icon IMLebanon

إلغاء الاستثناء القانوني يُنهي صراع الصلاحيات بين بلدية بيروت ومحافظتها

 

تشهد العاصمة بيروت وضعاً قانونياً استثنائياً وغير مألوف على مستوى لبنان فيما يتعلق بتقسيم السلطات المحلية، ما يجعلها في موقع فريد يختلف جوهرياً عن باقي المدن والقرى والمحافظات. فبدلاً من أن يتبوأ المجلس البلدي المنتخب مكانته الطبيعية كسلطة تنفيذية، كما هو الحال في سائر البلديات اللبنانية، صغيرة كانت أم كبيرة، يخضع ترتيب السلطة في بيروت لاستثناء يمنح المحافظ، وهو تقليدياً من خارج العاصمة ويُعيّن بقرار من مجلس الوزراء، زمام السلطة التنفيذية حصراً. في المقابل، يتولى رئيس مجلس بلدية بيروت وأعضاؤه، وهم من أبناء العاصمة المنتخبون، السلطة التقريرية. وتروي الذاكرة البيروتيّة أن رئيس الحكومة الأسبق صائب سلام، انطلاقاً من مبدأ الميثاقية الوطنية، منح محافظ بيروت المُعيّن صلاحيات تنفيذية واسعة، كان من المفترض أن تكون من صميم عمل رئيس البلدية المُنتخب. ونتيجة لهذا الترتيب الاستثنائي، تضخمت صلاحيات محافظ بيروت بشكل لافت، ليصبح فعلياً بمثابة حاكم للعاصمة، فهو الرئيس الفعلي للجهاز الإداري لبلدية بيروت، والمتحكّم بميزانيتها، وصاحب القرار في تنفيذ قرارات المجلس البلدي أو تجميدها.

وعندما سعى الشهيد الرئيس رفيق الحريري إعادة الأمور إلى نصابها الطبيعي، بادر الرئيس صائب سلام إلى إقناعه بالإبقاء على الوضع الراهن، متذرّعاً بالميثاقية والعيش المشترك. ونتيجةً لمعارضة مرجعيات مسيحية آنذاك، تراجع الرئيس الحريري عن مسعاه، وبقي هذا الاستثناء قائماً حتى يومنا هذا، ليُرسّخ خللاً بنيوياً في إدارة العاصمة. ويسعى البعض لتبرير هذا الاستثناء الشاذ بالقول إن بيروت هي المحافظة اللبنانية الوحيدة التي تضم مجلساً بلدياً واحداً، بينما يتوزع العدد الأكبر من البلديات في المحافظات الأخرى، مما يفرض على المحافظين فيها دوراً رقابياً أوسع نطاقاً يفوق دورهم التنفيذي. بيد أن هذا التبرير يغفل الأسباب السياسية العميقة والمطالب المسيحية التي نشأت من منطلق الحفاظ على التوازن الطائفي والسعي نحو تمثيل حكومي تحت مظلة «الميثاقية». فبالرغم من أن القانون يحدّد صلاحيات واضحة ومستقلة لكل من منصب محافظ بيروت ورئيس مجلسها البلدي، فقد كانت الخلافات حول هذه الصلاحيات سمة ملازمة لجميع المجالس البلدية المنتخبة بعد اتفاق الطائف، حتى بدا مبنى البلدية وكأنه كيانان متنازعَان، أحدهما تحت إدارة المحافظ والآخر تحت سلطة المجلس البلدي.

 

وفي ظلّ الاستنفار السياسي الراهن وتصاعد مطالبات المرجعيات في بيروت بتكريس المناصفة، سعياً لقطع الطريق على أي مجلس بلدي ذي لون طائفي واحد قد تُفرزه الانتخابات المرتقبة، وذلك نظراً للتفاوت الديموغرافي الملحوظ بين الناخبين المسلمين والمسيحيين في العاصمة؛ وفي خضمّ المطالبات بإقرار قانون يضمن المناصفة، سواءً عبر تقسيم البلدية إلى بلديتين يجمعهما مجلس بلدي واحد، أو عبر انتخاب أعضاء البلدية في دائرتين كما في الانتخابات النيابية؛ يصبح لزاماً معالجة هذا الملف الحيوي بجدية ووضعه في مساره الصحيح عبر خطوات واضحة:

أولاً – يتوجّب تعديل قانون البلديات الصادر بموجب المرسوم الاشتراعي رقم ١١٨ لسنة ١٩٧٧ وتعديلاته، في المادة ٦٧ منه التي نصّت على أن «يتولى السلطة التنفيذية في البلدية رئيس المجلس البلدي، وفي بلدية بيروت يتولاها المحافظ»، بحيث تُنقل الصلاحيات التنفيذية من المحافظ الى المجلس البلدي أسوة بباقي البلديات اللبنانيّة، والاكتفاء بدور المحافظ الرقابي. ومن شأن هذا الإجراء إنهاء حالة الحرمان والمظلومية التي تعاني منها بيروت، وتمكين المجلس البلدي المنتخب من تنفيذ مقرّراته بشكل فوري، وتأمين الخدمات الضرورية للعاصمة وأهلها دون الوقوع في براثن التجاذبات والسجالات السياسية حول المسؤوليات والاختصاصات. في حال الإصرار على الإبقاء على قانون البلديات بصيغته الحالية، يصبح الحلّ الأمثل، بشكلٍ مؤقت وعاجل، سنّ قانون يُلزم محافظ العاصمة بتنفيذ قرارات المجلس البلدي ضمن مهلة زمنية محددة وواضحة، وبانقضاء هذه المهلة تصبح تلك القرارات نافذة وسارية المفعول بحكم القانون، ودون الحاجة إلى موافقة المحافظ أو توقيعه.

 

ثانياً – إنّ أيّ محاولة لتكريس المناصفة في بيروت بشكل يتعارض مع الأطر الدستوريّة القائمة ويتجاهل الواقع الديموغرافي للعاصمة أمرٌ غير مقبول، ويستوجب التمسّك بالمعايير المطبّقة في باقي المحافظات والمدن اللبنانيّة المختلطة. فالدستور اللبناني، وفي المادّة ٩٥ تحديداً، حصر تطبيق مبدأ المناصفة بشكل واضح بأعضاء مجلس النواب وموظفي الفئة الأولى حصراً، وذلك كإجراء مؤقت بانتظار الإلغاء الكامل للطائفية السياسيّة، ولا يمكن توسيع نطاقه ليشمل مواقع أخرى. وبالنظر إلى التكوين الحالي للمجلس البلدي في بيروت، الذي يضمّ ٢٤ عضواً، وإلى التوزيع التقريبي للناخبين في العاصمة البالغ نحو نصف مليون ناخب، حيث يشكّل المسلمون حوالي ثلثي العدد والمسيحيون الثلث، فإنّ التمثيل البلدي العادل يجب أن يكون نسبياً، كما هو الحال في التمثيل النيابي، بما يضمن حقوق جميع المكونات. وعليه، فإنّ التوزيع المنطقي للمقاعد يقتضي تخصيص ١٦ مقعداً للمسلمين و٨ مقاعد للمسيحيين، بما يعكس الوزن الديموغرافي لكلّ من الطائفتين في العاصمة. وفي حال الإصرار على تكريس مبدأ المناصفة، يصبح تطبيقه شاملاً لكافة بلديات لبنان دون أي استثناء، تحقيقاً للعدالة وتوحيداً للمعايير على الصعيد الوطني.

ثالثاً – في حال التوجّه نحو تقسيم العاصمة بلدياً إلى قسمين، فإنّ تعديل قانون البلديات المشار إليه سابقاً، وتحديداً المادة ٦٧ منه، سيصبح أمراً حتمياً. يجب أن ينصّ التعديل بوضوح على نقل الصلاحيات التنفيذية من المحافظ إلى المجلس البلدي في كلتا البلديتين المستحدثتين، أسوةً بباقي المحافظات والمدن وبلدياتها، تحقيقاً للعدالة وتوحيداً للمعايير. كما سيكون لزاماً على كلتا البلديتين المستحدثتين أن تضما في عضويتهما ممثلين عن الطائفتين المسلمة والمسيحيّة، بما يتناسب مع الواقع الديموغرافي للأحياء والمناطق التابعة لنطاق كل بلدية، ضماناً للتمثيل العادل والمشاركة الفاعلة لكافة المكونات.

بالنتيجة، يتوجب على رئيس الحكومة والجهات المعنية في بيروت الاضطلاع بمسؤولياتهم والبحث عن حلّ جذري ونهائي لهذا الاستثناء غير المنصف الذي تعاني منه العاصمة المنكوبة، جرّاء التجاذبات المستمرة بين المجلس البلدي والمحافظ. فالوضع الراهن لم يعد يحتمل المزيد من التجاهل والتأجيل لمعالجة الأزمات المتفاقمة التي تثقل كاهل أهالي بيروت، وتستدعي تحركاً عاجلاً وحاسماً لإنهاء هذا الخلل المستمر. أمّا بالنسبة الى المتخوّفين على المناصفة وحقوق المسيحيّين والداعين الى تقسيم البلدية إلى بلديتين، نقول أقدموا إذا استطعتم، وحينها سيُعاد تعريف قواعد اللعبة في إدارة بيروت وسيُعاد رسم موازين القوى فيها، وسيختبر الجميع، في ظلّ التوازن الجديد للقوى، ما إذا كان هذا التحول سيؤسس لاستقرار دائم أم لمرحلة جديدة من التنافس على السلطة والنفوذ.

Exit mobile version