Site icon IMLebanon

«المركزي» دعَمَ الخزينة بـ 2.8 مليار دولار في 2018

 

هل يُساهم مصرف لبنان في دعم خزينة الدولة؟ سؤال مشروع مع تواتر الشائعات عن عدم مساهمة المصرف المركزي في دعم مالية الدولة. في الواقع تُشير الأرقام إلى أنّ كلفة مصرف لبنان جرّاء دعم خزينة الدوّلة بشقّيه التسهيلات والقروض بلغت 2.8 مليار دولار أميركي في العام 2018.

 

تُشير الأرقام إلى أنّ دين لبنان العام بلغ 85.25 مليار دولار حتى آخر شهر شباط من العام 2019. ويبلغ مُعدّل الفائدة على هذا الدين 6.79% أي ما يوازي 5.84 مليارات دولار أميركي سنويًا.

 

ويحمل مصرف لبنان سندات خزينة للدولة اللبنانية بنسبة 37% من إجمالي الدين العام، أي ما يوازي 32 مليار دولار أميركي، منها 4 مليارات دولار سندات خزينة بالدولار الأميركي أو ما يُعرف بسندات اليوروبوندز.

 

أسعار الفوائد على سندات الخزينة تتراوح بين 9% و 10.5% وبالتالي نرى أنّ هناك فارقاً على ما تدفعه الدولة فعليًا بين سعر فائدة السوق وسعر الفائدة على خدمة الدين العام.

 

هذا الفارق يأتي من نسبة الفوائد المُنخفضة التي تدفعها الدولة لمصرف لبنان والتي هي أقلّ من فائدة السوق. حتى أنّ بعض القروض تمّ إعطاؤها من قِبل مصرف لبنان للدولة بفائدة 1% (سندات بالليرة اللبنانية)!

 

حجم التوفير 2.8 مليار دولار

 

قمنا بحساب الكلفة على مصرف لبنان جرّاء إقراض الدوّلة بفوائد أقلّ من سعر فائدة السوق للعام 2018 آخذين في الإعتبار كل إصدار على حدة. وتبيّن لنا أنّ الكلفة على مصرف لبنان جرّاء إقراض الدوّلة بسعر فائدة أقلّ من سعر فائدة السوق بلغت 2.8 مليار دولار أميركي في العام 2018!

 

أي بمعنى آخر، بدل أن تدفع الدوّلة اللبنانية خدمة دين عام في العام 2018 بقيمة 8.64 مليارات دولار أميركي (أي ما يوازي 16% من الناتج المحلّي الإجمالي و48% من إجمالي إنفاق الدوّلة و75% من إجمالي مداخيل الدوّلة)، دفعت الدوّلة 5.84 مليارات دولار أميركي (أي ما يوازي 11% من الناتج المحلّي الإجمالي و32% من إجمالي إنفاق الدوّلة و50% من إجمالي مداخيل الدوّلة).

 

في الواقع، لو لم يقم مصرف لبنان بهذه الإجراءات لكان تصنيف لبنان الإئتماني في أدنى مستوياته، ولكانت كلفة خدمّة الدين العام تضاعفت بحكم أنّ سعر الفائدة المفروض (Required Interest Rate) في السوق يرتفع بشكل إسّي (Exponential) مع ارتفاع المخاطر!

 

الهندسات المالية ودورها

 

لا يزال هناك من ينتقد الهندسة المالية (عن جهل أو عن قصد) التي قام بها مصرف لبنان بين شهري أيار وآب من العام 2016. ولا تزال هذه الهندسة حاضرة في الصحافة، حيث يستمر البعض بتحميلها مسؤولية زيادة الدين العام.

 

إنّ قانون النقد والتسليف وخصوصًا المواد 88، 89، 90، 91، 113 وغيرها، حدّدت العلاقة بين أموال مصرف لبنان وأموال الخزينة العامة عبر الفصل التامّ بينهما. وبالتالي لا يُمكن لمصرف لبنان ولا بأي شكلٍ من الأشكال تحميل خزينة الدوّلة أي عبء مالي بحكم أنّ القرار الأول والنهائي على أموال الخزينة العامّة يعود إلى وزير المال ومن خلفه الحكومة اللبنانية.

 

إنّ دراسة الهندسة المالية للعام 2016 والتي تتطلّب تقنيات عالية تُظهر أنّها لبّت عدّة أهداف إقتصادية، مالية، ونقدية وضعها مصرف لبنان نصب عينيه نذكر منها (ما يخدم هذا المقال):

 

أولًا – حصّنت الهندسة المالية هيكلية الدين العام اللبناني عبر خفض كلفة الإقتراض على خزينة الدوّلة اللبنانية. وفي التفاصيل، انّ الهندسة المالية التي قام بها مصرف لبنان في العام 2016، خفّضت سعر الفائدة على سندات الخزينة (5 سنوات) من 6.74% إلى 5%. أيضًا خفّضت هذه الهندسة سعر الفائدة على سندات الخزينة على الأمد البعيد بالليرة اللبنانية (وهي أساسية تُستخدم لتمويل أجور القطاع العام) من 9% إلى 8.4%.

 

ثانيًا – دّعمت إحتياطي مصرف لبنان من العملات الأجنبية حيث بلغ حجم إحتياطي المصرف المركزي 41 مليار دولار أميركي بعد هذه الهندسة، ما يؤمّن ثبات الليرة اللبنانية وبالتالي يحمي أكثر من 750 ألف موظف في لبنان يقبضون أجرهم بالليرة اللبنانية.

 

ثالثًا – حصّنت هذه الهندسة رأس مال المصارف التجارية من خلال مُساعدتها على الإلتزام بالمعايير الدولية (Basel III و IFRS9) وبالتالي سمحت للمصارف بالتمتّع بقدرة مالية يُمكن إستخدامها في الظروف الحالكة كما هي الحال اليوم. الجدير ذكره، أنّ قسماً كبيراً من المداخيل (إيرادات وأرباح) التي حصدتها المصارف التجارية تمّ تحويلها إلى رأسمال، بحكم أنّ المعيار IFRS9 يمنع توزيع الإيرادات.

 

رابعًا – حسّنت هذه الهندسة ميزان المدفوعات عبر قلبه من عجز بقيمة 3.35 مليارات دولار أميركي في العام 2015 وعجز بقيمة 1.76 مليون دولار أميركي في الأشهر الخمسة الأولى من العام 2016 إلى فائض بقيمة 1.35 مليار دولار أميركي في نهاية العام 2016.

 

إستقلالية «المركزي» والدين

 

عند إقرار قانون النقد والتسّليف، عمد المُشرّع اللبناني إلى إعطاء مصرف لبنان إستقلالية قانونية بهدف إعطائه كل الوسائل اللازمة للقيام بمهامه. هذه الإستقلالية هي مطلب الأسواق المالية في كل الدوّل ذات الإقتصادات الحرّة ومن دونها لا تُعطي الأسواق المالية أي ثقة للمصرف المركزي. حتى انّ الإمارات العربية المُتحدة اعتمدت النموذج اللبناني في العام 2018 عبر إصدارها قانوناً إتحادياً جديداً يحمل الرقم 14-2018 والذي اعطى المصرف المركزي الإماراتي إستقلالية مالية وإدارية شبيهة بالنموذج اللبناني.

 

عدم فهم روحية الإستقلالية للمصرف المركزي تدفع البعض إلى الحديث عن إخضاعه للسلطة التنفيذية. وبالتالي يظنّون أنّ مالية الدوّلة ستتحسّن بمجرّد إخضاع مصرف لبنان للقرار الحكومي في أعماله اليومية.

 

في الواقع، مصرف لبنان خاضع للحكومة اللبنانية من خلال تعيين المجلس المركزي أي حاكم مصرف لبنان، نواب الحاكم، ومديري المالية والإقتصاد كما ومفوض الحكومة لدى مصرف لبنان، الذي يرفع تقاريره إلى وزير المال. أضف إلى ذلك، ألزم قانون النقد والتسليف حاكم مصرف لبنان رفع تقرير سنوي عن أعمال المصرف المركزي إلى وزير المال كل عام قبل شهر حزيران عن العام السابق.

 

المسّ باستقلالية مصرف لبنان سيعود بالكارثة على الدين العام من ناحية، أنّ رؤوس الأموال التي تُموّل عجز الموازنة ستهرب من لبنان، لأنّ رؤوس الأموال لا تُحب بيروقراطية القطاع العام، وما جذب رؤوس الأموال إلى لبنان خلال كل السنين المنصرمة هو إستقلالية المصرف المركزي والسياسة النقدية المُعتمدة.

 

وبالتالي، لكي تنعم خزينة الدوّلة بالتمويل يتوجّب على الحكومة المحافظة على إستقلالية المصرف المركزي كما نصّ عليها قانون النقد والتسليف، وعدم إخضاع المصرف المركزي إلى أيّة أعباء مالية جديدة.