Site icon IMLebanon

كيف ستحكم الأكثريّة في لبنان؟

 

 

لبنان بلد محكوم بالتوافق مقولة اعتدنا عليها. وباسم الشراكة الوطنيّة احتُلَّ لبنان ونُهِبَ والأدهى كيف تمّ تعطيل البلد لأكثر من ثماني سنوات إذا ما حسبنا أيّام التعطيل، ما بين التعطيل النيابي والحكومي والرئاسي. وهذا ما حدا بي إلى استنباط نوع جديد من الديمقراطيّة دأبت على تسميته في كتاباتي بـ»الديمقراطيّة التعطيليّة»، في حين تغنّى فريق «حزب الله» والتيار بتسميته بـ»الديمقراطيّة التوافقيّة» وأمعنوا باسمها وباسم الشراكة السياسيّة الوطنيّة بالتعطيل حتّى سيطروا على البلاد والعباد، وأوصلوا لبنان إلى ما يشبه أحلامهم الجهنميّة.

 

لكنّ هذه المسألة لم تعد صالحة بعد نتائج انتخابات 15 أيّار. ولا يمكن أن يقبل أيّ عاقل باستعادة هذه التجارب الفاشلة. لذلك لا بدّ من إعادة تحديد للمصطلحات السياسيّة بحسب قواعد علم السياسة لا على قاعدة الرابح والخاسر. فالشراكة السياسيّة تعني إشراك مكونات الشعب السياسية جميعها في صنع القرار، وذلك بحسب القاعدة الديمقراطيّة العلميّة، أيّ أكثريّة تحكم وأقليّة تعارض. وهنا تمارس شراكتها بالحكم من خلال مراقبتها أداء الأكثريّة؛ وذلك كلّه بهدف الوصول إلى المصلحة العامّة وإلى الهدف المشترك دون استئثار أي طرف من الأطراف بالتمسّك بحق النقض (الفيتو) الذي من شأنه أن يخرج الشراكة من مفهومها الحقيقي إلى مفهوم المحاصصة، وهذا ما كان عماداً لتجارب المرحلة السابقة، وهو مرفوض في هذه المرحلة. مع مراعاة الأغلبية الأخذ في الاعتبار وجهة نظر الأقلية كي لا يصل الأمر إلى الاستبداد من قبل الأكثرية.

 

ولا يقولنّ أحد بعد اليوم إنّ الديمقراطيّة التوافقيّة هي التي تحكم لبنان في ظلّ حكومات ائتلاف وطني غير متجانسة تمارس فيها الأكثريّة المضمرة حقّ الفيتو الذي يحوّل التوافق إلى تعطيل. وهذه المقولة المرفوضة من قوى الممانعة اليوم هي نفسها كانت مقبولة منها يوم كانت هي الأكثريّة. وللتاريخ ذاكرة ولن ترحم كيف عطّلوا بقوّة سلاحهم غير الشرعي يوم أقفلوا وسط بيروت ويوم احتلّوها في ذلك اليوم المذلّ للحرّيّة وعندما عطّلوا الحكومات ليفرضوا توزير الراسبين، وحتّى لإيصال مرشّحهم الرئاسي إلى الحكم.

 

فما يجب أن يفهمه اللبنانيّون جميعاً أنّ مفهوم الشراكة يقوم على العلاقة بين مركز السلطة القائم والقوى المعارضة سلميّاً كي لا يأخذ الطرف الأقوى ما يناسبه فقط على حساب الطرف الآخر الشريك في الحكم. وفي السياق عينه يجب عدم الإغفال أنّ السلطة تتكوّن من المعارضة والموالاة وليس فقط من الموالاة كما يحاولون الإيحاء اليوم، وكما يظهّرون أنفسهم بموقع المستضعفين لكن الأقوياء بقوّة التهديد بالسلاح غير الشرعي.

 

فالشراكة إذاً تكون عندما تتشكّل معارضة بنّاءة لا هدّامة ومعطِّلة فقط للتعطيل. والمطلوب أن تكوّن مع الفريق الذي سيحكم مجموعة عمل، تتجانس للحكم وتفترق في الأداء. مع ضرورة توحيد الرؤى الاستراتيجيّة حول الوطن وأوّلها السياديّة والدفاعيّة. فيما يجب التنبّه إلى أنّ هذه المسألة لا تعني تذويب مَن يعارض في بحر أكثريّ حاكم كما كانت تمارس سلطة الأمر الواقع التي انبثقت بعد اتّفاق الدّوحة 2008. والاختلاف الموجود في لبنان لن يؤدّي بالطبع إلى وجود كتلة سياسيّة واحدة كما حصل في بريطانيا حيث أدّت التحالفات السياسية في نهاية الأمر إلى الاندماج في كيان واحد وأشهرها التحالف الانتخابي الذي أقامه الحزب الليبرالي البريطاني مع الحزب الديمقراطي الاشتراكي البريطاني مطلع الثمانينات وانتهى عام 1988 إلى اندماجهما معاً في الحزب الليبرالي الديمقراطي. وهذا ما سمح بالديمقراطيّة التوافقيّة. وهذه الحالة لم تنطبق على الواقع اللبناني بالأمس ولن تنطبق لا اليوم ولا في المستقبل لأنّ التباينات السياسيّة أكبر بكثير من أن يجتمع اللبنانيّون حولها. فالخلاف من طبيعة كيانيّة لا سياسيّة كما يحاولون الايحاء بذلك.

 

وسيحاول «حزب الله» وفريقه الانقلاب على نتائج الانتخابات تحت هذه الذريعة أي الشراكة. لكن ما سبق وأوضحناه يدحض كلّ محاولاتهم سلفاً، لذلك سيحاولون اللعب على المصطلحات السياسيّة من خلال استبدال الشراكة بالمشاركة. على أن تكون البديل لسيطرة وحكم «الأغلبية»، والهدف منها سيكون من طبيعة إنسانيّة حيث سيظهر المدافع الشرس عن حقوق الإنسان عبر المشاركة في الحكم وفي صنع القرار، وهو أكثر تعبيراً للديمقراطية المتقدّمة التي تحتاج لها البشرية اليوم وهو الأكثر استيعاباً للواقع المعاش وبالذات واقعنا اللبناني. وفي ذلك مغالاة من هذا الفريق لكسب الشارع الذي ثار ضدّهم وللحفاظ على الثائرين المغمورين في شارعهم نفسه.

 

عجلة الحكم باتت على السكّة الصحيحة وستنطلق حتماً لأنّ المعطّلين قد جُرِّدوا من أدواتهم التعطيليّة. ثم أن الحياة السياسية القائمة اليوم، ستستند إلى مبادئ التعددية والتداول السلمي للسلطة والأقلية تخضع للأغلبية والأغلبية تحكم والأقلية تبقى تعارض، وفقاً للأسس الديمقراطيّة المتعارف عليها في بلدان العالم كلّه. ولن تُواجه المعارضة بالقمع والإذلال والحرمان من أبسط الحقوق الإنسانية إبتداءً من حق المواطنة والكرامة مروراً بالوظيفة والعمل وانتهاء بالأمن والحياة والاستقرار؛ وذلك على قاعدة النموذج الصارخ الذي أظهرته أكثريّة المنظومة والمنظّمة التي حكمت. بل ستكون على قاعدة المشاركة في الحكم انطلاقاً من المبدأ الديمقراطي العام.