Site icon IMLebanon

اللجان تردّ ردّ ميقاتي للقوانين: عيب دستوري واستيلاء على صلاحيات الرئاسة

    

 

أعادت اللجان النيابية المشتركة، أمس، إحياء الأزمة الدستورية والقانونية الناشئة عن غياب رئيس للجمهورية وتفرّد رئيس الحكومة نجيب ميقاتي باتخاذ القرارات وإصدار المراسيم بالوكالة عنه. وبالتالي، تمحور جدول الأعمال حول ردّ رئيس الحكومة ثلاثة قوانين من أصل 14 أقرّها مجلس النواب في 12 كانون الثاني الماضي (قانون تعديل قانون الإيجارات للأماكن غير السكنية، قانون تعديل بعض أحكام قوانين تتعلق بتنظيم الهيئة التعليمية في المدارس الخاصة وتنظيم الموازنة المدرسية، قانون إعطاء مساعدة مالية الى مجلس إدارة صندوق التعويضات لأفراد الهيئة التعليمية في المدارس الخاصة). وبعد نقاش طويل بين النواب، رفع رئيس اللجان الياس بوصعب الى الهيئة العامة قراراً جرى التصويت عليه بالإجماع، يعتبر فيه أن مراسيم ردّ القوانين التي أحالها ميقاتي الى المجلس يشوبها عيب دستوري بالشكل والمضمون، ما استدعى طلباً نيابياً بإعادة هذه القوانين الى الحكومة لنشرها. واعتبر بوصعب أن رئيس الحكومة استولى على صلاحية رئيس الجمهورية ولا سيما بعدما قرر مجلس الوزراء مجتمعاً، وبالوكالة عن رئيس الجمهورية، إصدار هذه القوانين في 19/12/2023، قبل أن يقرر ميقاتي منفرداً بعد مرور 3 أسابيع أن يُعلّق 3 قوانين من أصل 14 قانوناً، ويصدر مراسيم ردّها الى مجلس النواب، مستخدماً صلاحيات رئيس الجمهورية، ومانعاً نشرها في الجريدة الرسمية.وسبق لبو صعب أن سأل ميقاتي خلال جلسة إقرار الموازنة حول المادة التي تلطّى خلفها لمنح شخصه صلاحية ردّ القوانين الثلاثة من دون أن يتلقّى أيّ جواب. وخلال الجلسة، أيّد معظم النواب رأي بوصعب، وكانت لافتة إشارة نائب «اللقاء الديموقراطي» مروان حمادة إلى أن ميقاتي «يتصرف كرئيس للحكومة ورئيس للجمهورية». غير أن تقرير اللجان المشتركة ليس ملزماً للهيئة العامة، بل يحدث عادةً أن ينقلب نواب على ما صرّحوا به خلال نقاشات جلسة اللجان، ولا سيما أن ميقاتي نسّق مع رئيس مجلس النواب نبيه بري ردّ القوانين، وخصوصاً قانون الإيجارات. وبالتالي، ثمّة من يتوقع أن يأتي قرار الهيئة العامة بعكس ما تشتهيه اللجان المشتركة، علماً أن ثمّة احتمالَين لما يمكن أن يحدث في الجلسة العامة وفقاً للأستاذ الجامعي المتخصّص في القانون الدستوري وتاريخ الفكر السياسي وسام اللحام:

1- أن تقرّ الغالبية النيابية بقانونية مراسيم الردّ وخلوّها من أيّ عيب، فيعمد مجلس النواب الى تعديل تلك القوانين وينهي ذلك الإشكالية.

2- أن يؤكد المجلس النيابي على قرار اللجان المشتركة لناحية عدم قانونية آلية ردّ القوانين، وعندها سيشكّل الأمر سابقة لم نعهدها من قبل وسنكون أمام نزاع دستوري لا يمكن لمجلس النواب ولا لأيّ مرجع آخر حسمه، بل تتحول المسألة الى مشكلة إدارية لوجستية، يفترض أن تنتهي بقرار سياسي يكسر كلمة أحد الفريقين، إذ إن إصرار المجلس النيابي على مخالفة ميقاتي للقانون سيقابله إصرار من الحكومة على اعتبار الردّ قانونياً ولا يشوبه عيب، بل جرت إحالته بمرسوم وفق الأصول. وسيكون الحل النهائي بتنازل أحد الطرفين للآخر، وحلّ المشكلة بالتوافق بين السلطة السياسية.

غير أن ذلك لا يلغي، وفقاً للحام، مسألة ممارسة ميقاتي صلاحيات أوسع من تلك التي يملكها، واستفادته من جرّ مجلس الوزراء الى اتخاذ قرار من دون أن يعمد الى توقيعه شخصياً قبل عرضه. واللافت في ما قام به رئيس الحكومة هو إعلانه بنفسه أنه طلب من الجريدة الرسمية عدم نشر هذه القوانين، في حين أنه لم يكن بحاجة الى طلب ذلك في حال عدم توقيعه عليها. فإذا صحّ الأمر، أي مسألة توقيعه، عندها تصبح المخالفة مزدوجة وتتحوّل الى شكل من أشكال التزوير، علماً أنه يصعب اكتشاف هذا الموضوع مع تستّر مجلس الوزراء على ما جرى فعلاً، في مقابل إمساك ميقاتي بمفاتيح الجريدة الرسمية التي تخضع له.

قرار اللجان المشتركة ليس ملزماً للهيئة العامة ويحدث عادةً أن ينقلب نواب على مواقفهم في جلسات اللجان

 

من جهة أخرى، لفت اللحام الى غياب الموافقة الصريحة لمجلس الوزراء على مراسيم الإعادة، إذ يشير محضر جلسة مجلس الوزراء في 12 كانون الثاني الماضي الى «اطّلاع مجلس الوزراء» فقط على مراسيم الإعادة، وهو الموقف السليم دستورياً لدى وجود رئيس الجمهورية. إلا أن غياب الرئيس يُحتّم صدور قرار عن مجلس الوزراء بردّ القوانين كونه الوسيلة الدستورية الوحيدة التي يعبّر فيها هذا الأخير عن إرادته، بوصفه السلطة التي تتولى صلاحيات رئيس الجمهورية بالوكالة. وما غياب تلك الموافقة إلا دلالة على أن المراسيم قد تكون مشوبة بعيب دستوري وصادرة عن سلطة غير مختصة. كما أن ثمة مشوبة أخرى تتمثل بضرورة حمل مراسيم ردّ القوانين، عندما يصدرها رئيس الجمهورية ويوقّعها، توقيعَين لرئيس مجلس الوزراء عملاً بالفقرة 5 من المادة 64 من الدستور التي تنصّ على أن هذا الأخير يوقّع «مراسيم إصدار القوانين وطلب إعادة النظر فيها». وبعد انتقال صلاحيات رئيس الجمهورية إلى مجلس الوزراء، أضيف توقيع جديد لرئيس الحكومة بصفته ممثلاً لمجلس الوزراء، حيث باتت المراسيم تحمل ثلاثة تواقيع لرئيس الحكومة. وهو ما حصل مع إصدار قانون تعديل أحكام الشراء العام (19 نيسان 2023) الذي أُقرّ بثلاثة تواقيع لميقاتي، خلافاً لمراسيم ردّ القوانين الثلاثة التي تتضمّن توقيعين اثنين، كما لو أن رئيس الجمهورية لا يزال موجوداً، إذ يغيب التوقيع الثالث الذي يعبّر عن موافقة مجلس الوزراء. وهذا يقود الى الاعتقاد بأن مجلس الوزراء لم يوافق عليها ويدفع الى التشكيك في دستوريتها.