Site icon IMLebanon

التوازن وحجة الديموغرافيا: حقائق صادمة والواقع قابل للتغيير

 

جل ما يريده المسيحيون هو تطوير النظام بشكل يحترم التنوّع

تلقت مرجعيات روحية وسياسية مسيحية، دراسة جدية منذ خمس سنوات، حول الواقع الديموغرافي في لبنان على صعيد التوزيع الطائفي والتوقعات المرتبطه به خلال العقود الآتية.

 

وقد أظهرت الدراسة في حينه، أن الخلل في التوازن الوطني على مستوى الأعداد، قابل للتصحيح تدريجًا في حال استقر الوضع في لبنان، وانتظمت دولة ناجزة السيادة، وتعتمد الإصلاح الفعلي بهدف توفير الاستقرار وأسباب الطمأنينة والازدهار. وتوقعت الدراسة عودة الديموغرافيا المسيحية إلى النمو بوتيرة أكبر وبشكل تصاعدي، لترتفع نسبة المسيحيين بعد عقدين من نحو 32 % إلى ما يقارب الـ 38 %، وبعد ثلاثة عقود إلى نحو 42 %، مقابل انخفاض نسبة الزيادة لدى الطوائف الإسلامية.

 

على أن أرقام هذه الدراسة جافت الواقع حتى اليوم، في ضوء تداعيات الأزمة المالية والاقتصادية وما نجم عنها من هجرة واسعة لا سيما للشباب المسيحي وبنسبة أقل للشباب من الطوائف الأخرى، فضلًا عن أن شريحة كبيرة من المسيحيين، وجدت أن حرب الإسناد تركت انعكاسًا بالغ السلبية على الواقع الاجتماعي، من خلال ما بدا من ضعف على صعيد الدولة والقرار السيادي، وما استتبعه من قلق ورغبة متزايدة في المغادرة بحثًا عن استقرار بالحد الأدنى واطمئنان إلى الغد، وإن كان هذا الواقع بدأ يتحسن نسبيًا منذ انتخاب العماد جوزاف عون رئيسًا للجمهورية.

 

وتتجمع لدى المرجعيات الروحية والزمنية المسيحية، دراسات أخرى تحدد الأسباب بموضوعية ودقة، كما تحدد المخارج والحلول للنزف الديموغرافي المسيحي. ويقول قيادي مسيحي سيادي في مجالسه، إن الصيغة الراهنة التي اعتمدت منذ نشوء لبنان الكبير مرورًا بالاستقلال وحتى اليوم أثبتت فشلها، وإن تخلل ما يزيد عن قرن بكامله بعض الفسحات الإيجابية التي تبيَّن دائمًا أنها كانت قصيرة نسبيًا وموقتة، وتقطع مسارها حروب وصراعات وأزمات عنيفة بارتداداتها وآثارها المباشرة وغير المباشرة.

 

ويشير إلى أن المسيحيين، هم غالبًا ما يدفعون الثمن الأكبر، لأنهم تحرروا باكرًا من حالة التبعية لفرنسا وللغرب، عندما ناضلوا بنبل وروح وطنية من أجل لبنان الكيان وطنًا ودولة ومن أجل الاستقلال على قاعدة “لا شرق ولا غرب”. لكن تخلي المسيحيين عن أي حماية أو رعاية، لم يشمل الطوائف الأخرى مع ركوب السنة الموجة الفلسطينية، ومجاراة الجناح الآخر للوطن الوصاية السورية كأمر واقع في ظل تغييب القادة المسيحيين الكبار اعتقالًا أو نفيًا، في موازاة بروز ما عُرف بالإحباط المسيحي على مدى بضعة عشر عامًا بعد نهاية الحرب.

 

ولم يتحسن الوضع كثيرًا مع الانسحاب السوري وحلول الوصاية الإيرانية محل السورية، ومع شبه انحلال للدولة والمؤسسات ونوع من الاستسلام لـ “حزب الله”. وهذا الواقع فاقم المخاوف المسيحية التي تتجاوز الهم المعيشي إلى الهم الوجودي. ولذلك وكما يضيف القيادي المسيحي، لا يمكن التسليم بمنطق الغلبة العددية، لأنه يناقض أساسًا مفهوم الشراكة والميثاق، ولأن التناقص الديموغرافي للمسيحيين يعود بشكل أساسي إلى ما تعرضوا له من مجازر وحروب وتهجير وتيئيس واستيلاء على الأملاك والأراضي، ومن تهويل وابتزاز وتهميش على صعد عدة.

 

ولذلك، جل ما يريده المسيحيون كما جانب من المكونات اللبنانية منطقيًا، هو تطوير النظام بشكل يحترم التنوع ويكرس التعددية بمعزل عن العدد، ويمنح الجماعات اللبنانية على اختلافها حق التمتع بحرياتها وخصائصها وعيش قناعاتها، تحت سقف الدولة الواحدة، وعلى قاعدة تطبيق اللامركزية الموسعة في جوانب فعلية مالية وإنمائية واقتصادية وأمنية تزاوج بين الاعتبارات المحلية والاعتبارات الوطنية.

 

إلى ذلك، ثمة إجماع مسيحي على استعادة الجنسية لدى المتحدرين من أصل لبناني، علمًا أن التجربة حتى الآن، غير مشجعة بسبب المماطلة والإهمال المتعمد أحيانًا وافتعال العقبات، علمًا أن رفض تعديل قانون الانتخاب لاقتراع المغتربين في الدوائر التي ينتمون إليها أساسًا في لبنان، هو جزء من عملية تكريس إبعادهم عن الوطن وهمومه ومستقبله.

 

وبحسب معطيات متوافرة، فإن الكنيسة وبمواكبة فاتيكانية، ينتظرها استحقاق جدي لتغيير أدائها حيال رعيتها، بما يعني تفعيل الشراكة مع المجتمع المدني وتعزيز المشاريع الإنتاجية والخدمات التي توفرها الكنيسة بشكل أكثر احترافًا وشفافية وإنسانية، علمًا أن ثمة اقتراحًا عرضه القيادي المسيحي على إحدى الهيئات المسيحية المعنية تحت عنوان تفعيل الثروة الهائلة التي تمتلكها الكنيسة، لا سيما على الصعيد العقاري، وذلك من خلال ما يشبه الوكالة المارونية أو المسيحية، والتي تتولى كهيئة مدنية وبإشراف الكنيسة، إدارة أملاك الكنيسة بما يفيد الكنيسة ويفيد الأهلين من أبنائها. فماذا يمنع بحسب الاقتراح أن تقترض الكنيسة لقاء رهن جزء من رصيدها العقاري، مبالغ بمليارات الدولارت، تخصص للاستثمار في قطاعات عدة منتجة ومربحة وفي الوقت عينه تقدم تسهيلات كبيرة للسكن، ولتنمية المصالح الصغيرة أو للعمل في شركات ومشاريع استثمارية كبيرة ويتم فيها إشراك العاملين بنسب صغيرة من الأرباح.

 

على أن هذا الاقتراح لم يلقَ حتى الآن تعاطيًا جديًا معه، على الرغم من استشعار الخطر الداهم بتراجع نسبة الولادات لدى المسيحيين واستمرار وتيرة هجرة الشباب، إما لإكمال دراستهم أو بحثًا عن فرص عمل، مع العلم أن الأوضاع الاقتصادية والمعيشية في الكثير من دول العالم ليست أفضل من لبنان، اللهم إلا في ما يتعلق بالطمأنينة والأمان حيال المستقبل، وهذا يعني استعداد عشرات آلاف المغتربين، إن لم يكن مئات الآلاف للعودة إلى لبنان وبخاصة المسيحيين منهم، والذين لم يسجّل بعضهم أبناءهم كلبنانيين، إذا ما توافر الاستقرار السياسي وتاليًا الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي على قاعدة تطوير النظام، بما يكفل حماية لبنان من الاضطرابات والأزمات الدورية.

Exit mobile version