Site icon IMLebanon

الانقسام المتجدد حول الحوار

 

 

عمّقت دعوة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون إلى الحوار نوعاً من الفرز السياسي بين 8 و14 آذار، الأمر الذي كان الفرقاء كافة يتجنبون تظهيره مجدداً من أجل تجنب تحكم الانقسام العمودي الذي ساد في البلد منذ العام 2005 حتى العام 2015، حين بدأ حوار ربط النزاع بين تيار “المستقبل” من جهة وبين “حزب الله” من جهة أخرى بناء لمبادرة من رئيس البرلمان نبيه بري. وكان سبق ذلك شعار “تنظيم الخلاف” بين “الحزب التقدمي الاشتراكي” وبين “حزب الله”.

 

هذا النوع من الصلة بين ركنين أساسيين من قوى 14 آذار وبين العمود الفقري لقوى 8 آذار قاد إلى تسوية انتخاب الرئيس عون للرئاسة بصفته القطب المسيحي الوحيد في تحالف القوى الموالية لمحور الممانعة في قوى 8 آذار. إلا أن هذه التسوية فقدت أسسها منذ ما يقارب الثلاث سنوات، ولم يبقَ منها سوى الندم على حصولها من قبل فريقي 14 آذار اللذين أقدما عليها، حزب “القوات اللبنانية، وتيار “المستقبل”…

 

وإذا كان بعض المعترضين على دعوة عون الأخيرة لطاولة الحوار قد اعتبروا أنه تأخر فيها كثيراً لأنها كان يفترض أن تتم منذ بداية العهد، فإن الحد الآخر لهذه الحجة هو أنه إذا كان عون قرر التمايز عن قوى 8 آذار، كما حاول أن يوحي بذلك صهره رئيس “التيار الوطني الحر” النائب جبران باسيل، فإنه تأخر كثيراً جداً في هذا الصدد. فقد سبق السيف العذل، لأن مفاعيل التحاق عون وتياره بالممانعة قد فعل فعله العميق بتكريس غلبة “الحزب” ومنطقه واستراتيجيته، مدججاً بالسلاح على تحول لبنان إلى ساحة لمصلحة إيران. فإلحاق البلد بالمحور شكّل المساهمة الأساسية في الأزمة الكارثية التي يعانيها لبنان اقتصادياً ومالياً ومعيشياً، إلى درجة يشك كثيرون بإمكان انتشاله من الحفرة التي هو فيها بعد كل تلك السنوات التي كرس فيها الفريق الرئاسي العديد من المؤسسات لصالح الممانعة، مقابل “حفنة” من المكاسب الظرفية والرخيصة، فيما استفاد “الحزب” منه على طريق تغيير هوية البلد العربية والمتنوعة ونظامه التعددي واقتصاده المنفتح…

 

لا ينفع تحديد جدول أعمال الحوار ببحث الاستراتيجية الدفاعية، إذا كان كما يقول رجال العهد بأنها فرصة له ولمعارضي لمواصلة “الحزب” الاحتفاظ بسلاحه لطرح هذا الأمر على بساط البحث على الطاولة التي دعا إليها رئيس الجمهورية، في وقت يسعى باسيل إلى استخدام هذا البند كوسيلة لاستدراج العروض من “الحزب” نفسه من أجل مكاسب سلطوية، ومن أجل الحصول مقابل بقاء هذا السلاح على “تمديد” لدعم فريقهما في السلطة، وصولاً إلى الحصول على وعد من “الحزب” بأن تكون الرئاسة للوريث السياسي باسيل، بحيث يجري التمديد للممانعة ست سنوات جديدة في الرئاسة. ولا ينفع وضع السلاح على جدول أعمال الحوار من أجل استدرار عطف الرأي العام المسيحي تعويضاً عن خسارة قطاعات واسعة منه. كما أنه لا ينفع استخدام هذا العنوان من أجل استدراج عروض من الدول الغربية وأميركا من أجل رفع العقوبات الأميركية عن باسيل، في وقت لا تعطي هذه الدول أي صدقية لتوجهات من هذا النوع وتدرك أن كل ما يعدها به الفريق الرئاسي ليس سوى مناورات قياساً إلى التزامه العميق مع محور الممانعة. بل إن قناعة الداخل والخارج تميل إلى اعتبار طرح بند الاستراتيجية الدفاعية والسلاح سينتهي وفق ميزان القوى الحالي إلى تكريس شرعية هذا السلاح وجعله أمراً واقعاً ينتظر الحلول الإقليمية.

 

أما طرح العنوانين الآخرين حول خطة التعافي الاقتصادي للاتفاق مع صندوق النقد الدولي، فإن تعليق الرئيس نجيب ميقاتي بأن هذا من اختصاص الحكومة واقتراحه وجوب إضافة بند علاقات لبنان مع الدول العربية ووقف التدخلات في شؤونها قوبل بالتجاهل من الفريق الرئاسي، مع أنه بند أكثر إلحاحاً في ظل الأزمة الحالية التي يمر بها لبنان، وبانزعاج شديد على الأرجح من قبل “الحزب” أيضاً.

 

والعنوان الثالث حول اللامركزية الإدارية والمالية فإنه لن يفعل سوى تأجيج صراع طائفي إسلامي مسيحي لأن الجانب المسلم في أي حوار ليس في أجواء قبول الشق المالي من اللامركزية، على رغم أن قوى مسيحية متعددة تعتبر أن الأولوية هي لوقف هيمنة سلاح “الحزب” على الحياة السياسية بواسطة تحالفه مع رئيس الجمهورية.

 

إستطاع “حزب الله” أن يجير أصوات حلفائه في 8 آذار، حتى أولئك الذين هم على خصومة حادة مع عون، لمصلحة دعوة الأخير للحوار، فأبدوا تجاوباً معها، لإدراكه بأن طبيعة الحضور وأكثريته ستنعش الرئاسة ولن تأتي بنتيجة في شأن موضوع سلاحه، في وقت تقوم تعبئته الانتخابية والسياسية في هذه المرحلة على تصعيد حملاته ضد دول الخليج والمملكة العربية السعودية، وهو الأمر الذي أعاد الحساسية السنية الشيعية إلى سابق عهدها. وحصيلة المواقف من الحوار تدل إلى أن قوى 14 آذار السابقة رافضة لإعطاء تغطية جديدة للعهد وحلفه مع “الحزب”، سواء عن طريق امتناعها عن تلبية الدعوة أو عبر ترددها في القبول بها علناً ومعارضتها ضمناً.