Site icon IMLebanon

حوار أم دَوار

 

يُصرّ رئيس المجلس النيابي اللبناني نبيه برّي على طرحه، الذي يرهن فيه الدعوة الدستورية إلى جلسة انتخاب للرئاسة اللبنانية، بلقاءٍ يسبقها بين كافة الأطراف السياسيّة اللبنانية حول طاولةٍ، اسماها «طاولة حِوار» مُتجاوزاً المنطق السليم للحوارات، ومُتخلّياً عن المفاهيم الصحيحة لها، ومُفترضاً أنّ الحوار هو مجرّد دردشة تقوم بها الأطراف المتناقضة تماماً مع بعضها البعض، حول طاولةٍ من دون ضوابط، لتتحوّل منبراً لاستعراض الأفكار القومية والايديولوجية والعقائديّة، بمشهديّة تُشبه إلى حدٍّ كبير سوق عكاظ من المزايدات الخطابية والمُطالعات الفلسفية المُطوّلة وغير الهادفة.

 

الهدف الفوري من مسرحية اللقاء حول الطاولة، التي يدعو اليها الرئيس برّي، إبعاد الأنظار عن التحضيرات اللازمة لإتمام التسويات والمقايضات، التي إن تمّت، فستكون على حساب الأكثريّة العظمى للأطراف الجالسة على هذه الطاولة، وبالطبع على حساب مصالح الشعب اللبناني وحرّياته. أمّا الهدف الأساسي من المشهديّة الجامعة، فهو الاشارات القوية التي يُرسلها الرئيس برّي للمُوفدين والمفاوضين النافذين، بأنه ما زال قادراً على جمع كافة الفرقاء السياسيين في مكان واحد، حيث لا حِوار فيه، بل دَوار، في حين أنّ الكلام الجدّي حول توزيع النفوذ والمقايضات يجري في أماكن اخرى. وبمجرّد تمكّنه من إقناع الأطراف السياسية اللبنانية بالمجيء إلى طاولة كهذه، يعني أنّها استسلمت لمبدأ الدوران حول أسباب الشغور الرئاسي وشلل الدولة وانهيار القطاعات كافة. واذا كان الدَوار هو شعور المرء عند ركوبه الطائرة أو السيارة أو الباخرة أو غيرها، فإنّ الطاولة المُعدّة لجمع الفرقاء السياسيين حولها، هي المُسبّب الأساسي للدَوار الداخلي الذي سيُفضي إلى انتاج رئاسةٍ بصفقةٍ مع الخارج من قبل طارحي «طاولة الدَوار وليس الحِوار».

 

إنّ اصرار محور المُمانعة على تأمين هذه المشهدية، يُشير بوضوح إلى عدم قناعة قادته بفك أسر البلاد وتحريرها من التعطيل، مُراهنين بنهاية الأمر، على تركيع الشعب اللبناني أمام مطالبهم وشروطهم، ليُضاف أداؤهم التدميري هذا، إلى ارتكاباتهم الشنيعة السابقة بحقّ الشعب اللبناني، من مجازر وتفجيرات واغتيالات، ومصادرة للأرزاق وللسلع المدعومة، ومخالفات للقوانين، من تهريب ومخدّرات، وعزلة للبنان، وانهيار لقطاعاته كافة. فمن قام بكل ذلك وما زال مستمرّاً بها، فهل فعلياً، الحوار هدفه من طاولة الخمسة أيام؟ فعن أي حِوار يتكلّم؟

 

الجواب الوافي والافضل على الطروحات التشاطرية المُسمّاة هذه المرّة «حِوار»؛ هو ان الحوارات الجدّية تجري في المؤسسات وخلال جلسات المجالس النيابية والوزارية، وبين الجلسات الانتخابية، وحسب الدستور، وفي الجلسات التشريعية وجلسات المُحاسبة. فهكذا يكون الحِوار، حول شؤون البلاد والعباد، وعلى هذا النوع من الحوارات يتجاوب الراغبون بالحِوار الحقيقي والجادّ، أمّا، من يسعى للدَوار، أسلوباً، من أجل تمرير صفقاته ومقايضاته، فالهدف الحقيقي من طاولاته التدويخيّة، دفع اللبنانيين إلى أن يكونوا، إمّا غرباء في أوطانٍ بعيدة، أو غرباء على أرض وطنهم، وتمنّياته بإفراغ وطن الأرز من أسياده، لإحلال وطن جديد مكانه.

 

في كل مسألةٍ وملفّ، هناك معركة، وفي كل طرحٍ وبدعة، هناك فخ، وعند كل مفترق طرق، هناك قرار كبير على السياديين اللبنانيين أن يكونوا جاهزين لمواجهته وأخذ القرار المصيري بخصوصه، وافراغ محاولات التدويخ والدَوار فيه، صوناً للبلاد ودفعاً لها إلى مبدأ الحوارات الفعلية التي تُنتج وطناً للانسان وللحرّيات وللسلام.

 

وبالنهاية، الكلام الأبلغ الذي يجب أن يُقال لمن يُعطّل البلاد والدستور بطروحاتٍ مشبوهة؛ إبقوا لدَوارِكم، فلنا حِواراتنا، وابقوا في أيديولوجياتكم، فلنا وطننا، وابقوا في تخلّفكم، فلبناننا وطن الحوارات المُنتجة، واللقاءات البنّاءة، والحرّيات المُقدّسة.

 

وختاماً، أسوأ أنواع البدع هي الحقيقة الممزوجة بالباطل، وأخطر أنواع الباطل حقيقة محرّفة باعتدال. بدع كهذه، قد تخدع البعض الباحث عن أدوار، أمّا المؤمن بالقضية السياديّة، فأمام هذه البدع، يملك الكثير من الحصانة.

 

(*) عضو تكتل «الجمهورية القوية»