Site icon IMLebanon

مأساة التعليم التي تتكرر كل عام

 

نعالج هذا الأسبوع موضوع التعليم وهو البند الثاني من الخطة التي كنّا قد اقترحناها الاسبوع الماضي لمعالجة الأزمة الاقتصادية، ونبدأ بهذا البند لأنه ركن أساسي لاقتصاد منتج فكلما ارتفع مستوى التعليم في أي مجتمع ارتفعت معه قيَم الرأسمال البشري، وهو الاساس في الاقتصاد الحديث.

 

نواجه مشكلة أساسية في المستوى التعليمي، ان كان في المدارس الرسمية كما في عدد من المدارس الخاصة، فنحن اليوم في سباق عالمي نحو مستقبل سيختفي فيه كثير من الوظائف، وبالتالي التعليم غير المرتكز على الابداع والريادة سيخرج من المنافسة.

 

المشكلات التي تحاصر التعليم العام في لبنان كبيرة ومتعددة، جعلت هذا القطاع الحيوي والمهم يتحوّل مصدراً لتخريج جيش من الشباب غير القادر على العمل المنتج. وأبرز المؤشرات على فشل التعليم الرسمي هو ابتعاد عدد كبير من المواطنين من كل الطوائف والمناطق عن تسجيل أبنائهم فيه، على رغم من الأزمة الاقتصادية وصعوبة سداد أقساط المدارس الخاصة، فكثيرون منهم يفضّلون مراكمة الديون على إرسال أبنائهم الى المدارس الرسمية، علماً انهم يتحملون هذا العبء من المدارس الخاصة مُرغمين ويلجأون اليها ليحصلوا على مستوى افضل بقليل، وليس متطوراً كما يجب. والأحزن من هذا كله انّ اساتذة التعليم الرسمي أنفسهم، وهم في قلب النظام التعليمي الرسمي، يرسلون أبناءهم الى مدارس خاصة فتدفع لهم الدولة ليعلّموا اولادهم في المؤسسات التعليمية الخاصة. مثل طاهٍ في مطعم يدفع له صاحب المطعم مالاً ليأكل في مطعم آخر. بالاضافة الى السلك العسكري وكثير من موظفي القطاع العام الذين تدفع لهم الدولة بدل تعليم لإرسال أبنائهم الى المدرسة الخاصة. هذا دليل على انّ الدولة تعلم انّ تعليمها غير صالح وإلّا ليس هناك مبرر لتدفع بدل خدمات تعليمية.

 

وفي دفاعهم عن المدرسة الرسمية، يتحجّج البعض انّ هناك مدارس حكومية ناجحة، وحتى اذا وُجد بعض المدارس الحكومية الناجحة، نتساءل عن معيار هذا النجاح؟ ولكن ذلك ليس حلاً، وقد بَينّا أعلاه مدى التدهور والفشل في التعليم الرسمي.

 

وعلى رغم من كل الخطط والموازنات التي لا نستطيع تحملها، فشلت الدولة في تأمين المستوى المقبول في التعليم الرسمي. واذا قارنّا النتائج المحققة بالمبالغ المدفوعة، نرى اننا امام هدر كبير وفرَص ضائعة لكثير من الطلاب، وبالتالي يجب التفكير في حلول جديدة تسمح بتحقيق نتائج سريعة.

 

ولكن قبل كل شيء يجب تغيير العقليات الخاصة بالتعليم:

– أولاً، القضاء على الغش في نظامنا التعليمي، فهذه العقلية تهدد نظاماً بكامله «فمثلاً أي اب او ام يساعدان اولادهم في الامتحان، او حزب معين يحصل على اسئلة المسابقات قبل إجرائها، يؤسّس لانهيار تام في منظومة التعليم ويزرع افكاراً أساسها انّ الغش هو السبيل لتحقيق النجاح وهذا يدمّر مجتمعاً بكامله.

– ثانياً، ترسيخ فكرة انّ التعليم ليس هدفه توزيع الشهادات بأي طريقة ممكنة، فتوزيع الشهادات من دون تحقيق مستوى تعليمي متقدّم يؤسس لجيش من العاطلين عن العمل الانتاجي وفرص وهمية. فالدولة التي تسهّل الامتحانات تؤذي شعبها. المطلوب هو إيصال اكبر عدد ممكن الى أعلى مستوى تعليمي وليس توزيع شهادات.

 

لدينا اليوم مشروع يتمثّل في خصخصة التعليم، اي ان تتسلّم مؤسسات تعليمية عريقة مشهود لها بخبرتها المدارس الرسمية، وهذا لا يعني انّ الفقير سيدفع مقابل التعليم، الدولة تدفع عنه ولكنها ليست من يقوم بتعليمه. تضع الحكومة شروطاً لمن يودّ ادارة المدارس الرسمية، أولها ان تكون قد بَرهنت نفسها وخبرتها وعندها نتائج ملموسة في التعليم، لا يتّسع المقال لشرح المشروع بكامله وهذا يتطلب دراسة معمّقة تُبحث علناً حين يتم الاتفاق على الفكرة الرئيسية.

 

ولكن نذكر فقط اهم شروط نجاح مشروع كهذا، ان تُجري هيئة امتحانات دورية كل سنة او كل سنتين للتأكد من مستوى الطلاب، وتكون الامتحانات التي تجريها الدولة مراقبة جدياً من جهات عدة وتصحيحها جدي وشفّاف ومُمَكنَن ( computerized). كل هذه التفاصيل تبحث علناً لاحقاً، فنحن نطرح في هذا المقال الفكرة الاساسية.

 

الأهم من هذا كله تطبيق الشفافية المطلقة قبل الانطلاق بهذا الحل، لتكون كل العقود والاتفاقيات واضحة للجميع ومتوافرة لمَن يود الاطلاع عليها لكي لا نقع في المحاصصة والتنفيعات على حساب الطلاب والنظام التعليمي.