Site icon IMLebanon

إما روما وإما القيصر

27 أيار 2015

“32 طائفة وطبق واحد”!

تاليران

نادراً ما يختلف عاقل مع راقٍ. لكن افتتاحية الدكتور زياد بارود، الخميس الماضي، تستدعي بعض الملاحظات، إذ يقول في رفضه للشطط السياسي القائم وفكرة ، إن ميشال شيحا وضع للبنان صيغة مكبّرة، بعكس واقعية جورج نقاش الذي حذّر، منذ البداية، من أن سالبَيْن لا يمكن أن يُنتجا إيجاباً، نقيضين لا يصنعان وطناً.

يضع المفكّر صيغته كما يرسم المهندس خريطته. يبني على المعطيات والمكوّنات. لكن للفكر دائماً دولاباً خامساً، يشكّل الفارق الأهمّ. شيحا بنى الصيغة على السِّعة، لا على المساحة. ترك “الباب الضيّق” ودخل إلى الوطن المأمول من نافذة واسعة. كان يعرف، على الأرجح، مثل جميع الناس، أن احتكاك السالبَين يؤدّي إلى الحريق بدل الطاقة والنور. لكنه كان يبحث، على رغم ذلك، عن ذرّات إيجابية في السلْب، يمكن أن ترْقى إلى مستوى المشاركة بعد حين.

كان ميشال شيحا يعرف، مثل جورج نقاش، أن لبنان أكبر وأجمل وأعقل من اللبنانيين، لكن الدول السويّة تُقام على رغم أنوف شعوبها. فرنسا التي بناها ديغول، لا تُشبه إطلاقاً التفكّك الذي كان سائداً مع بيتان ونتيجة له. وكان الفكر الفرنسي، المتحذلِق في معظمه، فكراً فوضوياً عنفياً وعبثياً. لكن فرنسا تميّزت أيضاً بفئة من المفكّرين أُطلِقَ عليها اسم غير مألوف في أي بلد آخر: Les Moralistes، الأخلاقيون، أو القيِّميون الذين رفضوا حالات السعير والتقاتل الدائم. يُعنى بذلك رجال أمثال ألبير كامو وفرنسوا مورياك وأوبير بوف – ميري. أو أمثال فؤاد بطرس وغسان تويني وميشال شيحا وفؤاد سليمان وميشال أسمر وتقي الدين الصلح.

عندما يأفُل زمن أولئك، يظهر زمن هؤلاء. والناس أزمنة وعدوى و”كما تكونون يولّى عليكم”. يقول هيرمان هيسي إن الناس تجنُّ معاً وتستفه معاً وتستسخف معاً. ولا يعود ممكناً التمييز بين الرأس والقطيع. لذلك، انتهت الأمم “القيصرية” بالانهيار. رسّخ شكسبير في أذهان البشرية أن بروتوس هو الخائن. وأحبّت الناس جملته الشهيرة “بروتوس، أنت أيضاً؟”.

لكن بروتوس ورفاقه، كان عليهم الخيار بين روما وديكتاتورية القيصر. لقد جنّ يوليوس وأراد أن يعيِّن نفسه إلهاً. من أجل أن تبقى روما كان يجب أن يذهب قيصر، وقد بقيت روما. تكرّر المشهد في الكرملين عندما انقضّ رفاق ستالين بعد وفاته على السفاح لافنتري بيريا. واحد لم يستطيعوا قتله إلاّ على مدرج مجلس الشيوخ، والثاني إلا في المكتب السياسي.

ندفع في السعير الوطني الحالي، ثمن الابتعاد عن “قانون الطبيعة”. وقوام هذا القانون أن الوسط هو قاعدة العقل: العمر متوسطه، وملتقى المدينة وسطها، ووسط الوطن عاصمته. وقد مُنيت الرأسمالية بكوارث كثيرة خرجت منها، بعكس الشيوعية، لأن الأولى على رغم فروقاتها، فيها طبقة متوسطة، وقرارات متوسطة، وحكومات وسطية، وأحزاب وسطية، وغيارى وعُقَلاء.

قامت فكرة ميشال شيحا، الكلداني، الأقلّوي، المثقّف، العارف بأحوال العالم وسياسات الدنيا، على أن لبنان مصادفة نادرة في التاريخ، ومشكلة دائمة في الجغرافيا. يُرسل مَن يُقيم الامبراطوريات، ويخفق في إقامة دولته فوق رقعة محدودة. وجغرافياً، يقع في وسط هذا العالم، عواصفَ أو ازدهاراً، فمن أجل أن تحميه يجب أن يكون أعلى من غرائز مكوّناته، وأبعد من ضُعف النظر وضيق الرؤية ولجاجة الآنيات وفجاجة المطالب.

لقد اتّهمنا بالجنون، أولئك الحالمين، الذين أصرّوا على أنه من الممكن الجمع بين السالبَين. وحاول هؤلاء “برطلتنا” بالحكايات عن إقليدس وأليسار وقرطاج. ولكن عبثاً. لم نستطع أن نجمع حتى بين صيدا وصور. وأفضل ما فعلناه لبيروت تعليب آثار مدرسة القانون الرومانية على يد وزير ثقافة.

رجال مثل زياد بارود يدفعون عن القيِّميّين في لبنان الشعور بالعزلة. فالانفراد العام مثل الانفراد الفردي، شعور لا يُطاق. لا بد للـ”موراليست” في لبنان أن يخرجوا من وراء صمتهم ويأسهم وعلّتهم لكي يذكّروا الناس بأن الذي يرونه أمامهم ليس همّ. ليس الحقيقة. وليس لبنان، بسالبَيه. وما تفرّع عنهما من أسلاب منذ أن أطلق “الكماليّ” نقّاش تلك الجملة.

الدعوة إلى مجلس تأسيسي، اليوم أو غداً، في مثل هذا الاضطراب أو في هدوء لن نعرفه، هرطقة وطنية، ومصطلح “المؤتمر التأسيسي” يعني أن لبنان كان بِدعة، أو انحرافاً، يجب التكفير عنه. أو لأنه، في أحسن الأحوال، لم يكن موجوداً. ما يشكو منه لبنان ليس الحاجة إلى مؤتمر آخر بعد لوزان وجنيف والاتفاق الثلاثي والطائف والدوحة، وباقي ديار العالم. ليس في “حاجة إلى ذبيحة، بل إلى رحمة”. ليس إلى مؤتمر بل إلى ثُقات. تعديل الدستور يكون بالدستور. وإعادة النظر في حقوق أصحابها تكون ضمن القناعة العامة. والبحث عن توازن حقيقي يحمي الوحدة والاستقلال، لا يكون بتفاقم الاختلال، الذي صار هو صيغة المقايضة، بدَل المعاهدة.

عقْد وطني جديد. فليكن. لكنه عقْد يحتضن الجماعة، وليس يهدّدها. وعقْد يلحظ تطوّراً محزناً في هيكل الدولة، هو أفول الحضور المسيحي كشريك وانكفاؤه كوجود. وبالتالي، فالعقْد لا يستغلّ الوهن المسيحي للمزيد من عزلِه، بل يُعيد إليه الاعتبار، ولو معنوياً، من أجل أن يبقى لبنان فكرة قابلة للحياة. إرضاء المسيحيين بالقصائد، طريق قصير، ومسدود. لو كان أمر “الأقليات” مهمّاً حقاً، لما شغر القصر الجمهوري يوماً واحداً، ولكان فيه منذ عام رجل يمثّل لبنان، على رغم أنف اللبنانيين، ورئيس لا يختلف مع أحد ولا يُختلف عليه، وضميريّ لا يرى في بلوغ القصر إلا بقية الدرب المُفضي إلى بقاء لبنان، وطناً لا يجيَّر ولا يؤجَّر ولا يُزدرى، ولا يحقَّر كل يوم ولا يمنَّن ببقائه وحياته وسلمه.

الأربعاء الماضي بعَث الرئيس إيلي الفرزلي إلى موقع “النهار”، برسالة تفيض مودّة وتمرّر عتاباً، سببه، على ما أرجِّح، موقفي المتكرِّر من “القانون الأرثوذكسي”، ويتضمّن العتاب أيضاً تُهمة لي بالانتقائية. واجب أن أغتنم هذه المودّة لأعبّر عن مسألة شخصية، فسامحونا على ما تحمله الأنا، عنوة، من الحديث عن النفس.

يعرف الرئيس الفرزلي، كسياسي شديد الاطلاع، أنني لا أنتمي إلى أحد. وعندما أسمّي، أكتفي دائماً بالغائبَين أمثال فؤاد شهاب وريمون إده. وعندما أذكر الأحياء الكبار، أطال الله في أعمارهم، أنتمي إلى الخاسرين أمثال حسين الحسيني وسليم الحص. كل ما أريده، على بساطته، هو ألاّ أفقد صفتي، وخصوصاً حيال نفسي، كصحافي مستقلّ.

الاستقلالية لا تعني تعليق المشاعر. وما بدأته قبل أكثر من نصف قرن بسيطاً بين بسطاء، لا يغيّره شيء. هذه محصّلات العمر، لا دلائل الوجاهة. وفي هذا العمر لي قضايا كثيرة كإنسان. أحياناً، يهزّني شيء في الهند، ودائماً، دائماً، دائماً، يُقلقني شيء في فلسطين أو سوريا أو مصر أو العراق أو المغرب، لكنني بعد كل هذه السنين لم أعد أستحي بالقول إن أكثر ما يُقلقني هو لبنان. أريد أن أعود إلى البلد الذي وضع “الكْروكي” له وغسل دماغي به، ميشال شيحا وعاصي ومنصور وفيروز وقمر مشغرة، مرئياً من بيت إدمون رزق، وحكايات أنيس فريحة وبحر بيروت وسائر الربوع.

انتقائي، أجل، كما بدأتُ حياتي، أحاول الانتساب إلى القيّميّين وأهل الحرية وفرسان العدل وأخلاقيي الخطاب، والذين أفئدتهم على بلدهم وعلى أبنائه وعلى أرضه، وليس على أفراد العائلة وأطرافها وفروعها.

لهذه الأسباب البديهية والبسيطة، اخترنا من لبنان الذين قرّروا أنه أكبر وأهمّ من الذين يدّعونه، ثم يرمون به على القارعة والمفترقات. لم يُبنَ وطن ميشال شيحا ولا فؤاد شهاب ولا خصمه ريمون إده، لكنه سوف يبقى الوطن الذي نريد الانتماء إليه، لا طوائف غالبة ولا مواطناً مغلوباً. وهذه تتطلّب عدالة، لا مؤتمراً. نحن مشرّدو المؤتمرات. يحضرها البعض من أجل علبة سيجار أو من أجل بضعة كراسٍ مخلّعة.

الصديق العزيز، شرحت لك في زيارة لمنزلك، كل ما أكنّه لك من مودّة، كما شرحت أنني لا يمكن أن أؤيد شيئاً يحمل عنواناً طائفياً. وشرحت لي دوافعك ونيّاتك ورؤيتك. وكلها مُقنِعة، لولا هذا العنوان المؤذي والمضاد لما هو مقصود به. نعرف أن الواقع مختلف تماماً. نعرف أن زمن ميشال شيحا وفؤاد شهاب وريمون إده، ليس فقط أنه قد مضى، بل إنه لم يكن أبداً. ولكن، ويا للأسف، لا خيار آخر. تأخّر بنا الزمن وتقدّم بنا العمر. وبدل القبول بالطريقة التي نخاطَب بها كبشر ونخاطِب بها الدولة كرمز، سوف ننتقي الانتظار، قد يأتي غودو وقد لا يأتي. هذا أمر مهمّ وحيوي، لكنه ليس كل شيء. المهم أبداً هو خَيار الحرية والقيَم الجمهورية، وأن يعرف الذين يخاطبوننا، أن هذا هو الخطاب الوحيد.

العقْد الوطني الجديد يُبنى على الرِفعة في النظر إلى المتعاقدين. عدد النواب ليس مهماً. عدد الكراسي ليس مهماً. صحيح أن الربيع لا تصنعه سنونوَة واحدة، ولكن أيضاً لا تصنعه ألف سنونوة تنقّ، بدل أن تغرّد.