Site icon IMLebanon

رئيس الخيار الثالث يدق أبواب بعبدا

 

لم يكن أحد يتوقع أن يتم إنتخاب رئيس الجمهورية في لبنان بكبسة زر، أو في الفترة الدستورية قبل شهرين من إنتهاء ولاية الرئيس السابق على الأقل، لأن الإنقسامات الداخلية والصراعات السياسية المستفحلة، رغم الإنهيارات المتتالية، لم تكن توحي بأن الأطراف السياسية مستعدة لوضع مصلحة البلاد والعباد، فوق مصالحها الحزبية والأنانية، ولو أدّى الأمر إلى «خراب البصرة»، كما هو حاصل اليوم.

ولكن ما لم يكن متوقعاً أن تستمر القيادات الحزبية والسياسية اللبنانية في عنادها الكيدي على مواقفها المتناقضة، رغم كل الجهود والوساطات والمبادرات التي تقوم بها  دول اللقاء الخماسي، وخاصة الوسيطين الفرنسي والقطري، اللذين يعملان بكدّ لتحقيق إختراق ما في الأفق السياسي المسدود، فيما يستمر الفرقاء اللبنانيون متمترسين في مواقعهم الضيقة، والبعيدة مسافات شمسية عن الآفاق الوطنية.

جلسة ١٢ حزيران النيابية حددت موازين القوى للفريقين المتنافسين: المعارضة والممانعة، وأثبتت بالأرقام عدم قدرة أيٍّ من الفريقين على إيصال مرشحه إلى سدة الرئاسة الأولى، الأمر الذي إقتضى البحث في خيار ثالث، على أن يكون توافقياً، ويتمتع بمواصفات اللقاء الخماسي، بحيث لا يشكل تحدياً لأحد، ولا يُعتبر إنتصاراً لفريق على الفريق الآخر.

الوسيط الفرنسي جان إيف لودريان أعلن في نهاية جولته الثالثة عن هذا التوجه، والوسيط القطري جاسم بن فهد آل ثاني يعمل منذ أسبوعين على تقريب مواقف القيادات اللبنانية حول مرشح الخيار الثالث، ومازالت بعض تلك القيادات تتدلّع حيناً، وتُناور أحياناً، لغايات في نفس يعقوب، رغم إدراكها بأن وضع البلد المتداعي لم يعد يتحمّل ترف إضاعة المزيد من الوقت، فضلاً عن أن صبر الأشقاء والأصدقاء بدأ ينفد، الأمر الذي يهدد بترك لبنان يواجه مصيره المحتوم، مع هذه المنظومة السياسية الفاشلة والعاجزة.. والفاسدة!

الواقع أن الوسيط القطري حقق تقدماً مهماً على طريق سلوك الخيار الثالث، بعدما تبين للثنائي وحلفائه، أنهم غير قادرين على إيصال مرشحهم الوزير السابق سليمان فرنجية إلى قصر بعبدا، كما حصل مع العماد ميشال عون، فيما كانت قيادات المعارضة أكثر ليونة في الذهاب إلى الخيار الثالث، مما ساعد على الإنتقال إلى مربع ترشيح الأسماء، ليتم غربلتها، والوقوف على المرشح، الذي يحظى بأكبر تأييد ممكن، ويتم التوافق حوله ضمن معايير ومواصفات الخماسية.

ويبدو أن العقبة الأخيرة أمام إنطلاق السباق الرئاسي في جلسات مجلس النواب، بقيت في إيجاد «المخرج اللائق» لإنسحاب الوزير فرنجية، علماً أنه شخصياً لم يعلن ترشيح نفسه رسمياً، ولم يطرح أي برنامج عمل كمرشح رئاسي، للخروج من دوامة الأزمات الراهنة، وبقي ترشيحه متداولاً في أوساط الثنائي الشيعي فقط.

إما الحديث عن تناقض قطري ــ فرنسي في الطروحات الرئاسية، فلا أساس له من الصحة، بعدما تولت الخارجية الفرنسية نفي كل تلك الترويجات جملة وتفصيلاً.

هل يعني هذا الكلام أننا أصبحنا قاب قوسين، أو أدنى، من إنتخاب الرئيس العتيد، وقبل إتمام السنة الأولى من الشغور الرئاسي في نهاية تشرين الجاري؟

الوسيط القطري ، الذي يعمل بواقعيته المعروفة، وبعيداً عن لغة التمنيات والآراء الشخصية، يُحاول معالجة العقبة الأخيرة، (إعلان فرنجية إنسحابه) الأسبوع المقبل، وعشية وصول وزير الدولة القطري للشؤون الخارجية الشيخ محمد الخليفي إلى بيروت، حتى يتم تحديد الخطوات اللازمة لإتمام العملية الإنتخابية في أجواء مريحة للجميع، تساعد على توفير المناخات المناسبة لتسريع خطوات تسمية رئيس الجكومة، وتشكيل أولي حكومات العهد الجديد، التي ستتولى توقيع الإتقاق مع صندوق النقد الدولي، وإطلاق ورشة الإصلاحات المطلوبة لفتح أبواب المساعدات، وإستعادة الثقة في الداخل والخارج.

أولى ثمار هذا الإنجاز، إذا تحقق وفق الأجندة المطروحة، ستكون إعادة التوازن إلى المعادلة السياسية، وطوي صفحة هيمنة فريق على القرار الوطني، كما حصل في الفترة التي أعقبت إتفاق الدوحة، وتمكن حزب الله وفريقه من الإمساك بقرار الدولة ومفاصلها الأساسية، أو كما حصل في الفترة التي حازت فيها قوى ١٤ آذار على الأكثرية النيابية، وفي مجلس الوزراء، ولم تفلح في الإمساك تماماً بمفاصل الدولة، والهيمنة على القرار الوطني.

يمكن القول في النهاية بأن الأشقاء والأصدقاء قاموا بكل ما يؤكد حرصهم على وطن الأرز، وإستقراره وأمن شعبه، تاركين الكرة في ملعب القيادات السياسية المتناحرة، علّها تدرك مسؤوليتها التاريخية في المساهمة في إنقاذ الوطن، وإخراج هذا الشعب المقهور من مهاوي جهنم. وبئس المصير.

لا نُغالي إذا قلنا أن رئيس «الخيار الثالث» يدق أبواب بعبدا، فهل يدخل قصر الرئاسة خلال الأسابيع المقبلة..، أم أن طريق بعبدا يمر حكماً بالمعارج الإقليمية؟