Site icon IMLebanon

الياس عطالله يروي محطات من تاريخ الحرب والحزب الشيوعي

 

من الشيوعي إلى اليسار الديمقراطي: ضيعانك يا جورج

 

 

من الحزب الشيوعي انتقل الياس عطالله إلى تأسيس حركة اليسار الديمقراطي التي انخرطت في عملية التغيير السلمي وصولاً إلى ثورة الإستقلال في 14 آذار 2005، التي كان فيها الكثير من قيادات وكوادر الحركة، في صياغة الشعارات والأهداف وفي التحركات على الأرض وتأمين التواصل بين باقي المكونات التي شاركت في هذه الثورة. في هذه الحلقة يحكي عطالله المسؤول العسكري السابق في الحزب الشيوعي، عن العلاقة مع الإتحاد السوفياتي، وعن كمال جنبلاط، وياسر عرفات، ومحسن ابراهيم، وعن اغتيال جورج حاوي الذي كان ترك الحزب الشيوعي أيضاً واقترب من اليسار الديمقراطي.

+ إلى أي حدّ كانت موسكو تؤثّر في تركيبة الحزب وفي اختيار قيادته؟ هي التي كانت تختار؟

 

– مش ضروري تختار. ولكن كان لها نفوذ. إذا كان الكل ماشيين معها تختار الأفضل. جورج (حاوي) لم تكن علاقته مع السوفيات منيحة في البداية. لاحقاً صار سوفياتياً على الآخر. من جهتي بقيت علاقتي معهم مش منيحة. لم أستطع أن أتحمّل هذا الأمر. كنّا نذهب إلى الإتحاد السوفياتي. لا يمكنك أن تتخيّل كيف كانوا يعاملوننا. كنت عضو مكتب سياسي ورحت نحو 30 أو 40 مرة. كانوا يُنزِلوننا في فنادق فخمة. ليس 5 نجوم بل 8 نجوم. أوتيل للحزب. كنا نبقى شهراً أحياناً وأحياناً شهرين أو أكثر.

 

+ ما كان الهدف من هذه الدعوات؟

– مناسبات. دائماً كان عندهم مناسبات.

 

+ لا تدريبات أمنية أو عسكرية، ولا تنظيم سري؟

– أبداً. كان عندهم مدرسة حزبية ومؤتمرات طلابية.

 

+ خضغت لتدريب عسكري في موسكو؟

– ثلاثة أشهر وفلّيت. زعلوا مني.

 

+ كيف صرت مسؤولاً عسكرياً في الحزب؟

– ليس من الضروري أن تعمل دورات عسكرية لتصير مسؤولاً عسكرياً في الحزب. قدت الحزب عسكرياً منذ العام 1980 حتى العام 1992- 1993. انتهت مهمتي عندما تركت. الشجاعة تحكم الموقع وكذلك المصداقية. هاتان الصفتان تجعلان منك قائداً، ليس قائداً عسكرياً فقط. الإختصاصات العسكرية تكون للأفراد. كيف يصنع عبوة وكيف يشتغل على المدفعية. القائد العسكري ليس من الضروري أن يكون مدفعجياً مثلاً.

 

يجب أن يكون لديه «راس» استراتيجي، بحيث يستطيع أن تكون لديه نظرة وتقدير صحيح للوضع ورؤية شاملة وتصوّر للمسائل السياسية والجغرافية والبيئة المحيطة بها لكي يستطيع أن يأخذ القرارات وأن يحظى بالإحترام. القائد غير الملم بهذه الأمور وغير المحترم لا يمكنه أن يحقق أي نتيجة.

 

كمال جنبلاط وعبد الناصر

+ من الأساس كانت علاقتكم جيدة مع ياسر عرفات والفلسطينيين وسيئة مع النظام السوري؟

– ليس كلّنا. منذ أيلول 1970 عندما انتقلت القيادة الفلسطينية إلى لبنان.

 

+ ماذا عن مرحلة الخلاف الكبير مع سوريا في ربيع 1976 والصراع بين عرفات وكمال جنبلاط والحزب الشيوعي مع النظام السوري وحافظ الأسد؟

 

– كنّا نحاول إقناع كمال جنبلاط بصيغة الحل عام 1976 بعد دخول قوات الردع العربية بعد مؤتمري الرياض والقاهرة. وافقنا عليها كلنا ولكن كمال جنبلاط لم يوافق. لم يكن يحب السوريين ولا كان يحب حزب «البعث». حتى جمال عبد الناصر عندما حضر إلى دمشق بعد الوحدة مع سوريا وذهب كمال جنبلاط لتقديم التهنئة ألقى كلمة طلب فيها عدم تمدّد الوحدة إلى لبنان. قال لعبد الناصر «نبارك لك ولكن يجب ألا يجتاز هذا الخيار حدود لبنان. لا تُدخِلوا لبنان ضمن هذه الوحدات».

 

كان كمال جنبلاط استقلالياً عالآخر وعاشقاً للحرية. الورقة الإصلاحية للحركة الوطنية كانت بمثابة «اتفاق الطائف». نفس المفهوم ولكن ليس نفس النص. لو تفاهمنا عليها كحركة وطنية مع المسيحيين وقتها كنّا تفاهمنا أيضاً مع الفلسطينيين واتفقنا معهم على أن تحرير فلسطين لا يمكن أن يتم من لبنان. لهذا السبب كان ياسر عرفات يريد أن يستقطب لبنانياً ليحمي نفسه وخياراته وما كان يسلّم قراره لأيّ حزب منّا.

 

+ كيف كانت علاقتكم كحزب شيوعي معه؟

– ممتازة مع تحفّظ.

 

+ تبعية؟

– لا لم تكن تبعية. ولكنه كان أقوى منا بكثير.

 

+ سلاحكم كان من عنده؟

– لا.

 

كنا الأقوى بعد الفلسطينيين

+ من أين؟

 

– من الإتحاد السوفياتي ومن ليبيا واليمن الجنوبي والعراق. 4000 كلاشنيكوف أتت من روسيا. ودول عربية طبعاً وكنّا نعتبر دول أوروبا الشرقية سوفياتية.

 

+ ما كان حجم قوة الحزب؟

– كنا أقوى حزب بعد الفلسطينيين.

 

+ قبل الحزب التقدمي الإشتراكي؟

– وقتها كان الحزب التقدمي الإشتراكي يمثّل شعبياً أكثر ممّا هو حزب.

 

+ كان عندهم تنظيم عسكري.

– صحيح ولكن لم يكن قوياً.

 

+ المرابطون؟

– كان عددهم قليلاً. كانوا واجهة.

 

+ منظمة العمل الشيوعي؟

– أقل منّا بكثير. ولكن محسن ابراهيم كان يعوض بعلاقاته الفاعلة.

 

+ من كان الأقرب إلى عرفات؟ جورج حاوي أم محسن ابراهيم أمين عام المنظمة؟

– محسن. بالنسبة إلى عرفات كلما كان الشخص أضعف مع تنظيمه كلما كان أقرب. محسن لم يكن فقط أمين سر منظمة العمل الشيوعي. كان أمين سر عرفات وكمال جنبلاط.

 

+ كيف كانت علاقتك معه؟

– ممتازة. بحبّو.

 

+ ومع عرفات؟

– كتير منيحة.

 

+ ربطتك به علاقة خاصة؟

– قعدات سياسية. كنا قريبين من بعضنا، ولكن جورج حاوي كان الأساس.

 

+ من كان أهم جورج حاوي أم محسن ابراهيم؟

– في أربعين جورج حاوي عمل محسن ابراهيم نقداً مهماً لكل التجربة السابقة. محسن ذكي جداً. جورج خياله أوسع. محسن بقي في مكانه. لم يُغيِّر. كان أمين سر أبو عمار أكثر مما كان في الحركة الوطنية. كان يمثله في أوسلو. لم يُكتَشف الأمر في البداية ولكنه صار معروفاً لاحقاً.

 

+ أرسلتم مقاتيلن إلى تشاد. لماذا؟

– كنت رافضاً لهذه المشاركة. عندما اتُّخِذَ القرار في الحزب قدّمت استقالتي. كنت المسؤول العسكري. ولكن وليد جنبلاط وجورج حاوي جمعا المقاتلين في عين زحلتا وأرسلوهم. لم أشارك وقلت لهم لا تذهبوا بياكلوكم العقارب.

 

+ كان بطلب من القذافي؟

– لم يطلب مباشرة. شعروا أنّه يرغب فبادروا. ربما أخذوا أموالاً. ولكن المقاتلين وُضِعوا في أماكن بعيدة نحو 700 كلم، وربما أكثر في الصحراء.

 

تجربة عمر ضائع

+ خرجت محبطاً من تجربة الحزب الشيوعي؟ عملتَ نقداً ذاتياً؟

 

– طبعاً.

+ بأي خلاصات خرجت؟

 

– هذا الحزب ليس له علاقة بالواقع. مفصول عن الواقع اللبناني وفي داخله دكتاتورية. قلت لهم «عقلكم ميت ومكملين». ما عملوا شي معي. أنا تركت.

 

+ اعتبرت أنك اضعت سنوات هدراً؟

– طبعاً. كانت انتكاسة استهلكت سنوات من عمري.

 

+ ندمت؟

– لا أحبّ كلمة ندم. اتعظت من التجارب. تركت. هذه مراجعة لما حصل معي من أحداث وموقفي منها. لم تكن عندنا خيارات أخرى في الحرب.

 

+ انهيار الإتحاد السوفياتي إلى أي حدّ أثّر على الحزب الشيوعي؟

– عندما انهار الإتحاد السوفياتي راح الحزب. انهار. كنت فلّيت عملياً. حضرت أحد الإجتماعات بعد انهيار الإتحاد السوفياتي طلع بيان تأييد لسقوطه وإعلان أن الحزب يتجه نحو الديمقراطية. كانت مرحلة ميخائيل غورباتشوف. عندما حصل انقلاب في موسكو بقيادة (غينادي) ياناييف، الذي كنت ألتقيه في اتحاد الشباب العالمي في المجر وكان رئيسنا، للإطاحة بغورباتشوف (في 18 آب 1991) دعوا إلى اجتماع وكانوا يريدون تأييده. قلت لهم «لا نَوَى منكم». لم يصدر البيان. رهيف فياض كان دعانا إلى الغداء وكان رأيه أن نرسل عسكراً إلى الإتحاد السوفياتي. قلت له «يللا أنت على رأسهم عندي 25 واحد باقيين خذهم وروح».

 

+ متى خرجت نهائيا؟

– اعتباراً من عام 1992. ما عدت التقيهم.

 

إغتيال حاوي

+ بالتزامن مع ابتعاد جورج حاوي عن القيادة؟

 

– جورج بقي حتى 1998. قرّر أن يترك الماضي ويختار طريقاً جديدا بعد 14 آذار. اتصل بي وقال «بدي أطلع أنا ويّاك على الشمال». كان الموعد يوم استشهاده وكنت متجهاً للقائه في «الغندول». كنت فزت في الإنتخابات (عن مقعد طرابلس الماروني في 20 حزيران قبل يوم واحد من اغتياله). سمعت صوت الإنفجار ولم أعرف مَن المستهدف. اتصل بي زياد عبد الصمد وقال لي «جورج». ضيعانك يا جورج. أكملت إلى مكان الإنفجار. صرت خارج الزمان والمكان. هول وحزن وعدم تصديق. إنكار. تكفّلت بتنظيم المأتم. كان صار أقرب إلينا في اليسار الديمقراطي. كثيرون من الحزب عادوا وانضموا إلينا. والبعض أتى من منظمة العمل الشيوعي.

 

+ سمير قصير كان معكم في الحزب؟

 

– سمير كنت أعرفه منذ صغره. مرة طلب مني عام 1982 أن ينفذ عملية ضد إسرائيل. رفضت. كان لا يزال صغيراً. قلت له «إرجع إلى بيتك. الصغار في العمر لا أرسلهم». حتى المتزوجون كنت أرفض مشاركتهم ما عدا المقيمين منهم في الجنوب.

 

+ أين حركة اليسار الديمقراطي اليوم؟

– لا تزال موجودة ولكن غير شغّالة. لا يوجد لدينا أموال. ما عندي ولا قرش.

 

+ من يتحدث باسمها؟

– أنا. لا أزال رئيس الحركة ولكنّني لا أستخدمها.

 

+ تلتقي مع الدكتور فارس سعيد؟

– ألتقيه. نتفق ونختلف ولكن لدينا إرادة التسوية ومسلمات وطنية كثيرة مشتركة. كنّا بدأنا نلتقي مع إطلاق المنبر الديمقراطي بعد نداء بكركي (في 20 أيلول 2000). المركز الثقافي للبنان الجنوبي كان الحاضن للمنبر. حبيب صادق كان معنا. بعد المنبر الديمقراطي انطلق «لقاء قرنة شهوان».

 

+ ما كان دور سمير فرنجية في الربط بين هذه الحركات؟

سمير فرنجية لعب دوراً أساسياً في قرنة شهوان وكانت هناك لجنة مشتركة بين اللقاء والمنبر. عندما اقترحوا تشكيل أمانة عامة لـ14 آذار طرحوا إسمي. لم أقبل. أنا طرف. سألني وليد جنبلاط «من تقترح؟». قلت «فارس سعيد». وافق ووافقوا. والدته كانت معنا وكانت مرشحتنا في جبيل وريمون إده كان يكرهنا ولكن في الآخر صرنا صحبة معه خصوصاً عندما كان مهدداً بالقتل من السوريين ورافضاً دخولهم إلى لبنان ومتفقاً مع كمال جنبلاط.

 

يتبع الأربعاء 20 كانون الثاني:

أنا وجورج حاوي وسمير جعجع