مع توديعنا فؤاد بطرس نودع اليوم مرحلة مضيئة من تاريخنا الحديث، وندرك عمق الظلمة المحيطة بنا، بعدما تخلّى مجتمعنا السياسي عن قيم كان فؤاد بطرس من ألمع رموزها.
هي مدرسة فؤاد شهاب، وأركانها إلى جانب فؤاد بطرس رشيد كرامي والياس سركيس وفيليب تقلا ورينه معوّض وسواهم، الذين رفعوا لبنان من الكبوة التي وقع فيها عام 1958، فتجاوزوا الانقسامات، ووحّدوا اللبنانيين حول نظامهم الديموقراطي البرلماني، ورمموا الإقتصاد، وأعادوا السلام. نَعِم اللبنانيون في المرحلة بين 1958 و1964 بالوحدة والإستقرار وانبعث فيهم الأمل في إرساء دولة تتطلع إلى العدالة الاجتماعية والإصلاح الحقيقي على قاعدة هيبة الحكم، في حين كانت عواصف وانقلابات شتى تتحكم في دول العالم العربي، القريبة منها والبعيدة.
بعد هذه السنوات ابتعد فؤاد بطرس عن العمل الحكومي اليومي، لكنه بقي مرجعاً يلتف حوله مَن شاركوه في حرصه على لبنان وإيمانه به. ولم يعد إلى العمل الحكومي إلا في أشد الأيام صعوبة خلال الحرب بين اللبنانيين والفلسطينيين، ثم الحرب الأهلية بين اللبنانيين، فالاحتلال الإسرائيلي. حمل مع الرئيس الياس سركيس من العام 1976 حتى العام 1982 مسؤولية ما تبقى من الدولة، كما كان يقول، في أقسى حقبة من تاريخنا الحديث.
كان فؤاد بطرس متشدداً في تمسكه بالتوازنات الدقيقة بين اللبنانيين، جماعات وأفراداً. وعلى رغم انهيار الدولة بقي يدافع عن سيادة لبنان أمام العالم الخارجي بكل ما أوتي من قوة. لم يتنازل قط عن الأمانة التي كان يحملها وواجه ضغوطاً يصعب تصوّرها، وصل بعضها إلى تهديد حياته، ولم يلِن أو يغيّر رأياً. رفض الرضوخ للمنظمات الفلسطينية في ذروة قوتها، كما رفض في المقابل سيطرة الميليشيات الطائفية هنا وهناك على الدولة وقرارها. تصدّى على رأس الديبلوماسية اللبنانية لإسرائيل وكان الصوت الصارخ ضدها في الأمم المتحدة والمنتديات والمحافل الدولية ذوداًعن لبنان وشعبه. ولطالما رفض مدى أعوام الحرب السوداء ربط حل أزمة لبنان بحل أي قضية أخرى في المنطقة، أكانت القضية الفلسطينية أم غيرها. وبإزاء سياسة نظام الرئيس السوري حافظ الأسد، كان وزير الخارجية الصلب والمتحدث الحاسم باسم الدولة اللبنانية عندما يقتضي الأمر. فرض فؤاد بطرس احترامه على جميع من قابلهم مهما علا شأنهم.
لعلّ بعضهم عابَ عليه إبداء تشاؤمه في مراحل سوداء من الأزمة التي غطت لبنان سنوات طويلة، لكن الأحداث كانت تعطيه دوماً الحق في ما كان قد ذهب إليه، لأنه صاحب رؤيا تقرأ في الوقائع كما هي، وتحكم بالمنطق والحق.
وعلى الدوام كان يشجع الأفرقاء اللبنانيين على التحاور ومحاولة التوصل إلى مخارج داخلية للأزمات المستعصية، وعدم الرهان على تحالفات خارجية، فهي تجر البلاد إلى تنازع إقليمي ودولي عليه.
وقدّر جميع من عملوا مع فؤاد بطرس أو تفاوضوا معه من لبنانيين وعرب وأجانب صفاته الأدبية والأخلاقية العالية، لأنه تعامل بشرف معهم، وكان أميناً لرسالة المحافظة على لبنان وشعبه. لم يبخل عليها بدأبه بل بذل كل طاقته من أجلها، سواء أكانت القضية هي استصدار القرار 425 عن مجلس الأمن، ثم المواظبة على المطالبة بتطبيقه من خلال انسحاب إسرائيلي كامل وناجز، أم كانت المساعدة قبل سنوات قليلة في التوصل إلى قانون جديد للإنتخابات النيابية، لا يزال اللبنانيون يختلفون عليه حتى اليوم.
ابتعد فؤاد بطرس عن العمل الحكومي مرة ً ثانية بعد انتهاء ولاية الرئيس سركيس، لكنه ظلَّ في عيون محبيه يمثّل ضمير لبنان، وقد أسفوا كيف يتخلى عنه المجتمع السياسي طوال هذه السنوات، فيما لبنان في أمس الحاجة إليه.
وداعاً فؤاد بطرس.