يبدو مستغرباً أنّ «الثنائي الشيعي» يتهرّب تماماً من الاستجابة للنداء الذي وجّهه إليه رئيس الجمهورية جوزاف عون، وجاء فيه: «قولوا لي ما هو طرحكم بدل التفاوض، وأنا سأمشي به، أياً كان». ففي قواعد النقاش بين طرفين، يكون هاجس كل منهما إقناع الآخر بوجهة نظره وإفحامه. فإذا أعلن الطرف الأول قبوله المطلق، مسبقاً، بخيار الطرف الثاني، يكون النقاش قد انتهى بانتصار الثاني، تلقائياً. إذاً، لماذا يتجاهل «الثنائي» نداء عون، ويفوّت على نفسه فرصة حسم الخيارات في الداخل اللبناني لمصلحته؟
في الواقع، نجح رئيس الجمهورية في رمي هذه الكرة. ومن دون جهد، أظهر هشاشة السلوك الذي يتبعه «الحزب»، على رغم من الثمن الذي يدفعه، دماً ودماراً وخسارة مزيد من الأرض في الجنوب. ومأزق هذا الفريق يتلخّص بكونه عاجزاً عن إيجاد المنطق البديل.
فهو تسبب في الحرب الحالية قبل 3 أعوام تحت عنوان مساندة «حماس» في غزة. لكن الحرب انتهت هناك، وتغيّرت الوقائع والمعادلات، ونسي الجميع حرب غزة، فيما بقي لبنان غارقاً وحده في حربه الخاصة بلا أي إسناد. وبدلاً من البحث عن صيغة تحمي ما بقي من الجنوب، فتح «الحزب» حرباً جديدة، هذه المرّة بعنوان آخر: الانتقام لاغتيال مرشد الثورة الإيرانية علي خامنئي. وبذلك، تبين أنّ لا مكان للاعتبار اللبناني في هذه الحرب العبثية، والتي لا تنتج سوى مزيد من الضحايا والدمار والاحتلال.
واضحٌ أنّ الثنائي قرّر تجنّب الدخول في نقاش حول نداء رئيس الجمهورية لأنّه غارق في مسار لا أفق له، وهو يعرف ذلك جيداً، ولا يريد التراجع عنه لأنّه غير مستعد لدفع الكلفة في الداخل. كما يدرك الثنائي أنّ أي نقاش يدور أمام الرأي العام سيقود حتماً إلى تظهير صوابية منطق الدولة القاضي بوقف الحرب ونزع السلاح، كمدخل لا بدّ منه لإجبار إسرائيل على الانسحاب من الأرض التي احتلتها حتى اليوم ومنعها من التوسع. وهذا يعني انكشاف هشاشة الخيارات التي يعتمدها الثنائي أمام بيئته الحاضنة. وهذا الانكشاف يقودها إلى التشكيك بقياداتها، وتراجع التغطية السياسية والشعبية التي ما زالت تتمتع بها.
في الموازاة، واضحٌ أنّ الثنائي خسر القدرة على استقطاب قوى سياسية أساسية في البلد، كما كان يفعل في حقبات سابقة. وصحيح أنّ رئيس «الحزب التقدمي الاشتراكي» السابق وليد جنبلاط سارع قبل أيام إلى زيارة عين التينة، وشارك بري في توجيه الانتقادات إلى صيغة الإطار، لكن الرجل المعروف بالبراغماتية قال صراحة: «لن أكون جزءاً من أي محور لإسقاط الاتفاق». وهذا يعني أنّ القيادة الدرزية التقليدية تناور مصلحياً كالمعتاد، لكنها ترفض منح الثنائي غطاءً سياسياً أو طائفياً لتعطيل التسويات أو الهيمنة على البلد.
من جهته، تحرّك رئيس «التيار الوطني الحر» جبران باسيل نحو بري، وضمن سياق محدّد على الأرجح، هو الحدّ من مظاهر الانقسام الطائفي الآخذ في التعمق. لكن باسيل، في الحسابات الإستراتيجية للمكون المسيحي، لن يشارك الثنائي رفضه للتفاوض، أو تمسكه بالسلاح وقرار الحرب والسلم خارج الدولة. وفي عبارة أخرى، يدرك «حزب الله» وبري، أنّ فائض القوة الإقليمي للسيطرة على قرار الدولة قد انتهى، وأنّ القوى المحلية كلها باتت تتحرك تحت سقف حسابات جديدة.
في أي حال، موقف الثنائي الرافض لمنطق الدولة واليد الممدودة للتفاهم الداخلي، ستكون له تداعيات قاسية على الأرجح. إذ سيتسبب بتصدّعات شديدة الخطورة في المراحل المقبلة، بفعل تعرّض لبنان لمثلث ضغوط متزامنة ومترابطة:
1- ضغط إسرائيل العسكري، وتهديدها بمعاودة العمليات الحربية وتوسيع رقعة توغلها الجغرافي في اتجاه مناطق جديدة (تتجاوز الليطاني والزهراني لتصل إلى نهر الأولي)، والسعي إلى شرعنة بقائها في «المناطق الأمنية» إلى ما لا نهاية، متذرّعة بغياب التزام لبناني موحّد بنزع السلاح.
2- ضغوط السلطة اللبنانية التي ستجد نفسها مضطرة تقنياً وميدانياً للاستجابة لمنطوق التفاهمات الأمنية مع إسرائيل برعاية أميركية مباشرة على الأرض، عبر آليات التنسيق المباشر والخطوط التجريبية التي يبحثها الجيش اللبناني مع القوات الأميركية.
3- ضغوط المجتمعين العربي والدولي وإطباق العزل السياسي والاقتصادي على أي طرف يحاول إجهاض الاتفاق، وتصنيفه شريكاً في السلبية واستمرار الكارثة.
لذلك، وسط هذا الانقطاع في خطوط التواصل، يعيش لبنان مناخاً يشبه «هدوء ما قبل العاصفة»، عاصفة التنفيذ التي يفرضها الخارج على لبنان.
