كتاب مفتوح إلى السيّد سعد الدين الحريري:
لتأليف لجنة من كبار المفكرين الاستراتيجيين لصياغة برنامج عمل لـ “حزب المستقبل”
إسمح لي أن أتوجّه إليك أيّها الصديق وابن الصديق بهذه الرسالة غداة إحياء الذكرى الحادية والعشرين لاستشهاد عميد شهداء لبنان رفيق الحريري. ولئن كانت ظروف العمر المطلّة على السنة السادسة والثمانين قد حالت دون تمكّني من لقائك في بيروت وتقديم واجب المؤاساة هناك، فإن واجبي تجاه هذه العائلة الكريمة، وأنت أفضل من يعرف طبيعة وعمق ورسوخ ونبل هذه العلاقة التي كانت وظلّت خلال سنوات: علاقة الأخوّة الحقيقيّة والصداقة الحقيقيّة والمحبة الحقيقيّة والاحترام الدائم والأكيد. ذلك أن قاعدة هذه العلاقة كانت قائمة على الفكر، واستمرّت في نطاق الفكر ولا تزال مستمرّة وهي تعتمد التحليلات الجيو – سياسية والجيو – استراتيجية في فهم أوضاع لبنان ومشاكل المنطقة العربيّة.
والآن وعبر هذا الكتاب المفتوح إسمح لي أن أكمّل المهمّة التي عملت فيها دائمًا وهي: تقديم الطروحات والآراء الفكريّة التي تساعد هذه العائلة الكريمة على الاستمرار في قيادتها وريادتها السياسية، إذ إنها كما وصفتُ عميدها يومًا بأنه قيادة تاريخية. إذ هو يختصر بل يجسّد شعار المفكّرين اليونان بأن الرجل القائد “هو الذي يرى صحيحًا ويرى بعيدًا”. وعلى هذا ،شبّه الرئيس الفرنسي جاك شيراك الرئيس الحريري بأنه “بالنسبة للبنان هو أشبه ما يكون الجنرال ديغول بالنسبة إلى فرنسا”. هذا التشبيه يعبّر عن ثلاثة أمور في شخصيّة الحريري: إنه رجل ذو قامة تاريخيّة وله دور محوري في تاريخ وطنه. وهو في الآن عينه رجل تحرير الوطن، وإنه ثالثًا رجل البناء والمؤسسات، رجل الجمهورية الجديدة!
أي مستقبل لـ “المستقبل”؟
سؤال عميق وذو أفق متسع ذي أبعاد فكرية وإنسانية وفلسفيّة! وهو مطروح على الجميع: أفرادًا وجماعات، مسؤولين وعاديين. والجواب المتوقع يأتي من القيادة: كيف ترى جماعتها (حزبها) وضمن أي عقيدة وفي نطاق أية آفاق وميزانيّة وديموغرافية وجغرافيّة!.
ذلك أن ما يحدّ من تأثير “المستقبل” اليوم هو الغموض، بل أحيانًا بعض الفراغ في مؤسساته وطروحاته ما يضعف من تأثيره في الجماعة والمجتمع والوطن. لهذا أعيد على ذاكرتكم أيها الأخ العزيز ما كنت قد ذكرته لكم في مرحلة توليكم القيادة. يومها طلبتم رأيي كمفكّر استراتيجي فأجبت: “أن المطلوب الآن قبل كل شيء، هو تأليف لجنة من كبار المفكرين الاستراتيجيين تكون مهمتها الأساسية صياغة برنامج عمل لـ “حزب المستقبل” يشكّل المرجعيّة الفكرية والعملية للحزب أي عقيدته، ويلتزم به الجميع، ويكون المعيار لمسار العمل السياسي والعقائدي والاجتماعي للحزب في كافة الأمور والقضايا”.
إن شبيبة أهل السنَّة اللبنانيين وسواهم، يعيشون اليوم في شبه ضياع عقائديًا بما يدفع البعض للاتجاه نحو الحركات الأصوليّة ونحو مفاهيم مختلفة للعروبة.
ان حركة “المستقبل” مدعوة لصياغة فلسفتها الحياتيّة: نظرتها إلى الإنسان والكون “من خلال ما عاشه وأرساه رفيق الحريري عن العروبة الحضارية الجديدة التي تلتزم بلبنان الكيان اولًا، وهي عروبة الجامعات لا عروبة المخابرات، ودليله العلمي مساعدة 34 ألف طالب جامعي لبناني للدّراسة في جامعات لبنان والعالم”. بهذا يكون المجتمع الذي عمل له رفيق الحريري، مجتمع المستقبل إنه مجتمع المعرفة مجتمع الديمقراطية – الحرية في لبنان على أن يكون نموذجًا للمجتمعات العربية والإنسان العربي والأنظمة العربية والعالم العربي – بهذا لم يطرح رفيق الحريري اللبنانويّة في وجه العروبويّة بل عمل على جعل اللبنانوية مرقاة إلى العروبويّة الحضاريّة وهما في قلبه وذهنه وعقله أمران يتكاملان ولا ينفصلان أو يتناقضان.
اودّ أخيرًا أن أشير الى أمرين:
الأول، أنه في غياب القائد السياسي يبقى النص هو المرجعيّة، وهو ما يفترض أن يكون حاصلًا لدى “المستقبل”: مؤسسة وجماعة، وهو الذي يرسم خطوط المستقبل للمستقبل! أي الأيديولوجية الحريريّة.
الثاني، أن المسيحيين في لبنان، وأعني الواعين منهم أي السياديين الحقيقيين، هؤلاء يعتبرون أن استهداف الرئيس الحريري، هو في الوقت عينه استهداف لمشروعهم التاريخي منذ 1400 سنة، وخلاصته قيام كيان لبنان النهائي ضمانة لحريتهم الوجوديّة بتعاون وتفاعل مع أهل السنَّة والعالم العربي – الإسلامي. وهو ما نصّ عليه اتفاق الطائف الذي كان للرئيس الحريري اليد الطولى فيه.
… لقد استشهد رفيق الحريري دفاعًا عن قناعاته الإنسانيّة والأخلاقيّة والوطنيّة.
… وهو في حياة لبنان واللبنانيين والعرب قيادة تاريخيّة كبرى!
… إن الرجل الكبير لا ينتهي بمأتم!
