Site icon IMLebanon

«أولويات» الخليج: غزة أولاً، فـ»النفوذ الإيراني» والمرتبة 12 للبنان

 

 

في انتظار مزيد من التقارير الديبلوماسية التي يمكن ان تلقي الضوء على نتائج اجتماعات وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي ونظرائهم، المغربي والمصري والأردني، توقفت مراجع ديبلوماسية أمام شكل ومضمون البيان الختامي الذي صدر أمس الاول. وإن إحتل ملف غزة الأولوية، فوجئت بعودة ما سُمّي «الاحتلال الايراني» إلى جزر الإمارات الثلاث بالمرتبة الثانية، قبل ان يأتي ترتيب لبنان في المرتبة 12. وهذا هو ابرز ما انتهت إليه هذه القراءة.

 

لم تكن الدورة الـ 159 للاجتماع الوزاري لدول مجلس التعاون الخليجي على مستوى وزراء الخارجية التي انعقدت نهاية الأسبوع الماضي في الرياض عادية أو تقليدية روتينية، فقد جاء موعدها طارئاً واستثنائياً، ولا يمكن ان تحمل أو تُحمّل رقماً عادياً في سلسلة اجتماعات المجلس في ظل الاستحقاقات التي فرضت نفسها على المجتمعين. فهم منخرطون منذ اندلاع الحرب في قطاع غزة في أكثر من خلية ازمة عربية وخليجية ودولية، وقد عقدوا أكثر من لقاء ثنائي وثلاثي مع شركائهم الإقليميين والدوليين، للبحث في مستجدات الحرب التي اقتربت من نهاية شهرها الخامس، وسط عجز انعكس فشلاً في التوصل الى وقف موقت أو ثابت لاطلاق النار، بعد سقوط مسلسل الهدن الإنسانية. وكل ذلك بهدف مدّ القطاع بالحدّ الأدنى المطلوب من المواد الغذائية والطبية والانسانية ووقف المجازر المرتكبة بحق المدنيين، بعدما تجاوزت ارقام الشهداء والضحايا ما لا يتصوره انسان.

 

وإلى هذه الملاحظة الشكلية، فقد فرضت التطورات الخطيرة في غزة والمنطقة على الرياض، ان تجمع الى جانب وزراء خارجية دول مجلس التعاون، نظراءهم من الدول الثلاث التي تجمعها اتفاقات سلام وتطبيع مع اسرائيل، فشملت الدعوة كلاً من وزراء خارجية مصر والمغرب والأردن، لتوجيه رسالة واضحة ومباشرة بالإنابة عمّا تمثله هذه الدول، إلى حكومة الحرب الإسرائيلية وآلتها العسكرية ومعهما الولايات المتحدة الأميركية التي تلعب دور الوسيط بهدف التوصل الى قرار جامع يمكن ان تتخذه هذه المجموعة بما تتمتع به من ثقل ديبلوماسي واقتصادي إقليمي ودولي من قرارات، بدءاً بما وفّره النموذج الاردني والبحريني عندما جمّدا تمثيلهما الديبلوماسي مع تل أبيب، عدا عن إمكان إحياء التجارب السابقة التي يمكن استنساخها مرة أخرى، عندما اتُخذ قرار بتقليص صادراتها من النفط والغاز إلى العالم. وكل ذلك ممكن إن لم تنجح المساعي الجارية توصلًا الى وقف المجازر وترتيب التفاهم السياسي الذي يوفّر الانتقال الى «اليوم التالي» في القطاع، وما سيكون عليه الوضع، ليس في القطاع والاراضي الفلسطينية المحتلة وحسب، انما في المنطقة، بعدما توسّعت رقعة تردداتها من جنوب لبنان الى اليمن والعراق وسوريا، بالإضافة الى الضفة الغربية، وباتت تهدّد بما لا يمكن لجمه في لحظة من اللحظات.

 

وإن توقفت هذه المراجع امام اهمية ما حمله البيان الختامي من مواقف من مجموعة الأزمات التي تواجهها هذه الدول، فلم تُفاجأ بإعطاء الأولوية لملف العدوان على غزة، من باب اعتبارها أنّ ما يجري في فلسطين ما زال «القضية المركزية» وقد تناساها العرب لعقود من الزمن. وقد جدّدوا دعوتهم المجتمع الدولي – بما حملته المواقف السابقة منذ بداية الحرب – الى «اتخاذ موقف جاد وحازم لوقف إطلاق النار وتوفير الحماية للمدنيين، واتخاذ الإجراءات اللازمة ضمن القانون الدولي، للردّ على ممارسات الحكومة الإسرائيلية وسياسة العقاب الجماعي التي تنتهجها ضدّ سكان غزة». وإن اشادوا بالجهود التي تبذلها «مجموعة من الدول والمنظمات لوقف العدوان على قطاع غزة»، فقد وجّهوا انتقاداً عنيفاً الى واشنطن التي اعاقت باستخدامها حق النقض (الفيتو) «مشروع القرار الجزائري»، الذي قُدِّم أخيراً في مجلس الأمن نيابةً عن الدول العربية، الذي يدعو إلى الوقف الفوري لإطلاق النار».

كما اكّدوا رفضهم أي مسعى او محاولة اسرائيلية لتهجير الفلسطينيين قسراً في اتجاه الاراضي المصرية، في اي عملية عسكرية يمكن ان تُشن على رفح لدفعهم الى سيناء. وبعدما أشادوا بخطوة جنوب إفريقيا في دعواها أمام «محكمة العدل الدولية» واتهام اسرائيل بارتكاب «الإبادة الجماعية»، حمّلوا المسؤولية القانونية للحكومة الاسرائيلية ان لم تلتزم بمضمون قرار مجلس الأمن الرقم 2720 الخاص بتعيين الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، منسّقة الشؤون الإنسانية وإعادة الإعمار في قطاع غزة سيغريد كاغ»، ودعوتها «إلى العمل على الوقف الفوري للعدوان على غزة».

 

وما كان لافتاً لدى المراجع الديبلوماسية في قراءتها الاولية للبيان الختامي، أن أُحضر في البند الثاني من البيان الختامي ملف العلاقات الخليجية مع إيران تحت عنوانين:

– الاول تناول مصير «حقل الدرة» النفطي الذي تطالب ايران بجزء من انتاجه، على انّه «ملكية مشتركة بين السعودية والكويت فقط، ولهما وحدهما كامل الحقوق لاستغلال الثروات الطبيعية في تلك المنطقة، وفقاً لأحكام القانون الدولي واستناداً إلى الاتفاقيات المبرمة والنافذة بينهما».

– أما الثاني فقد جاء تحت عنوان «إدانة احتلال الجزر الإماراتية» الثلاث: «طنب الكبرى، طنب الصغرى وأبو موسى». ودعم ابو ظبي في استعادة حقوقها وبسط سلطتها عليها، وعلى المياه الإقليمية والإقليم الجوي والجرف القاري، والمنطقة الاقتصادية الخالصة للجزر الثلاث، بصفتها جزءاً لا يتجزأ من أراضي الإمارات العربية المتحدة. وانتهى الموقف الى اعتبار «أي قرارات اتخذتها ايران أو ممارسات أو أعمال تقوم بها على الجزر الثلاث باطلةً وملغاة، ولا تغيّر شيئاً من الحقائق التاريخية والقانونية التي تُجمع على حق سيادة الإمارات العربية المتحدة على جزرها الثلاث».

وما كان بارزاً يعطي توجّهاً جديداً لم تعبّر عنه المجموعة العربية والخليجية من قبل، وتمثل بربطها بين بندي «حقل الدرة» ومصير «الجزر الثلاث» بـ «محاربة الارهاب» الأمر الذي شغل بال الديبلوماسيين الذين كانوا قد اطمأنوا إلى ما حققته «وثيقة بكين» التي تمّ التوصل إليها في العاشر من شباط 2023، وما عكسته من تحسن في العلاقات بين المملكة السعودية وإيران وإمكان انسحابها على علاقات عواصم دول الخليج الاخرى بطهران.

 

وعليه، لم يستغرب المراقبون الديبلوماسيون ان يحظى لبنان ببند خاص أُدرج في المرتبة الثانية عشرة من أصل ثمانية عشر بنداً، على الرغم من غيابه عن القمة، وقد كرّرت فيه الدول المجتمعة ما طالبت به «من إصلاحات سياسية واقتصادية هيكلية شاملة، تضمن تغلّب لبنان على أزمتيه السياسية والاقتصادية، وعدم تحوّله إلى نقطة انطلاق للإرهابيين أو تهريب المخدرات أو الأنشطة الإجرامية الأخرى التي تهدّد أمن واستقرار المنطقة»، كما اكّد المجتمعون «اهمية ما تقوم به المجموعة الخماسية، التي أكّدت على أهمية التعجيل في إجراء الانتخابات الرئاسية، مشيداً البند 12 بجهود أصدقاء لبنان وشركائه في استعادة وتعزيز الثقة والتعاون بين لبنان ودول مجلس التعاون، ودعمهم لدور الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي في حفظ أمن لبنان».

ويختم المراقبون الديبلوماسيون قراءتهم بالتأكيد انّ المؤتمر عبّر بقوة عن مشاغل المشاركين فيه وأولوياتهم في انتظار فهم ما يمكن ان تؤدي اليه هذه الجهود، بما يضمن وقف الحرب في غزة وتحقيق ما يطالب به العرب والعالم على مستوى «حل الدولتين» بما يضمن سلاماً دائماً وشاملاً، وعندها يمكن الحكم النهائي بما يمكن ان تحققه المجموعة العربية عموماً والخليجية خصوصاً.