Site icon IMLebanon

هل يمهّد باسيل الطريق أمام عسكرة التيار الوطني الحرّ؟

 

العسكرة تميّز الملتحقين بالمشروع الإيراني ونسخة مسيحية عن «حزب الله»!

 

يخضع التيار الوطني الحر منذ توقيع اتفاقية التفاهم بينه وبين «حزب الله» في كنيسة مار مخايل 6 شباط من العام 2006 لعملية تغيير عميقة تستهدف ثوابته الفكرية والسياسية ثم بُنيته التنظيمية وأخيراً وليس آخراً أدواره الوظيفية المحلية والخارجية، بحيث يتحوّل حزباً مغلقاً يسهل التحكّم به من خلال شخص رئيسه بعد وصول العماد عون إلى رئاسة الجمهورية، وهذا ما استدعى إخراج المناضلين المؤسِّسين واستحضار أصحاب رؤوس الأموال من الخلفيات الحزبية المضادة لأصل الفكرة العونية.

 

الانقلاب الأساس قام به الجنرال عون الذي ألغى جميع مفاعيل «الكتاب البرتقالي» الفكرية والسياسية، فأنسى جمهوره مخاطر مشروع الولي الفقيه ونسف خطاباته العنيفة ضد السيطرة الإيرانية على لبنان، لينتقل إلى وثيقة تفاهم مع وكيل الوليّ الفقيه تجسّد أقصى حالات «التقية السياسية» وما يليها من انكشاف للحقائق، خاصة بعد أن كانت عودة عون إلى لبنان جزءًا من مشروع تحالف يضمّ «حزب الله» والنظام السوري.

 

التيار: الارتباط بالحزب واستحضار الكتلة السورية

 

كان لا بُدّ من تثبيت جبران باسيل في رئاسة التيار وهكذا جرى إقصاء منافسيه من خلال فرضه مرشحاً وحيداً ليصبح المتحكّم الأول والأخير بالتيار البرتقالي ولتبدأ مرحلة التحويل التدريجي نحو مسار الممانعة، بالتوازي مع دخول باسيل نفق الولاء المطلق لمشروع الولي الفقيه.

 

كان من أبرز ملامح هذا التحوّل إدخال الكتلة «القومية السورية» إلى قلب التيار، وتجسّد هذا الاتجاه في توزير الياس بوصعب ثم ترشيحه وفوزه بالنيابة وآخرين من العمق القومي مثل  فادي عبود ونقولا تويني الذي دعا في بيان أصدره في 9 تموز 2019 إلى «رفع السرية عن محاكمة انطون سعادة خدمة للحقيقة والتاريخ».

 

أشرف باسيل على إدخال وجوه قومية في الهيكلية التنظيمية، وللتذكير فإنّ الحزب القومي شارك في انقلاب السابع من أيار ولا يزال يمتلك مخازن من السلاح وهيكلية أمنية يغطيها «حزب الله» بشكل مباشر، من دون أن يشمل التعميم حالات الانشقاق القومية.

 

حضرت الوجوه الموالية للنظام السوري بقوة إلى جانب الرئيس عون، والجميع يذكر الوجود المتواصل لميشال سماحة قبل وبعد توقيع ورقة التفاهم، بينما أصبح ايلي الفرزلي من «عظام الرقبة»، وسليم جريصاتي مستشار اميل لحود عاد مستشاراً رئاسياً لعون، وهذه نماذج كافية لفهم حجم التحوّل الذي شهده التيار العوني.

 

اعتناق العنف وسيلة للتغيير أو التبرّك بالسلاح

 

أيّد التيار الوطني الحرّ انقلاب السابع من أيار 2008 وانساق مع «حزب الله» في استثمار مفاعيله في اتفاق الدوحة عندما رفع العماد عون شعار «إرجاع الحق إلى أصحابه»، وكان هذا الموقف محطة إضافية في تخلّي العونيين عن شعاراتهم السيادية والتحوّل إلى حزب يؤمن بالاستقواء بالسلاح للوصول إلى السلطة.

 

سلاح «حزب الله» نفسه هو الذي أوصل العماد عون إلى رئاسة الجمهورية، بينما تحوّلت كتلة التيار الوطني الحرّ النيابية والوزارية إلى توأم لكتلة الحزب، فباتت مواقف التيار تحمل مزايدة على الحزب في تغطية النظام السوري وتجاهل العدوان الإيراني على العرب.

 

لا ينسى باسيل كيف حاول محازبوه السيطرة على الشارع في العام 2007 وإقفال الطرقات بالقوة، وكيف نزل القواتيون وأزاحوهم خلال وقت قصير وأخمدوا محاولاتهم للتحكّم بمفاصل المناطق المسيحية.

 

بتاريخ 21‏ نيسان 2020 ظهرت مجموعات مسلحة بثياب مدنية خلال انعقاد جلسة مجلس النواب في الأونيسكو، أكّد النائب سامي الجميل أنّها ليست عناصر أمن بل عناصر حزبية مسلحة» لتقول بعض المصادر إنّهم كانوا الحرس الخاص للنائب جبران باسيل بعد أن نفى «حزب الله» صلته بهم، وكانت تلك إشارة أعادت التذكير بالصّور التي جرى تسريبها عن قيام عناصر عونية بالتدريب العسكري في العام 2013 ولم تنقطع التسريبات عن مجموعات من العسكريين المتقاعدين المتحلّقين حول باسيل كحالة أمنية تحت عناوين الحماية الشخصية.

 

كما ظهرت مجموعات «باسيلية» مسلحة خلال فعاليات ثورة تشرين الأول 2019 قامت باعتراض طريق المتظاهرين من وإلى طرابلس واعتدت على أعداد منهم، كما اعتدت على مؤيدين للقوات اللبنانية في محاولة منها لإظهار أنّ «بلدة جبران» تحت السيطرة وأنّه يمتلك إمكانية قطع الطرق والتأثير الأمني والشعبي.

 

لا يُخفي جبران باسيل نزعة القوة التي يحاول الظهور بها في مغامراته السياسية والتحديات التي يُطلقها ضدّ خصومه، وكانت حادثة بشامون نموذجاً للصدام الميداني الذي يريد صهر الجمهورية اختباره واستثماره في السياسة على غرار «حزب الله»، ولم يتوانَ عن تسخير الجيش اللبناني في استعراضاته المستفزّة، كما كان الحال عند دخوله إلى طرابلس على دبّابات لواءٍ عسكريّ، من دون أن يجد أحداً في استقباله من أبناء المدينة.

 

العقوبات على باسيل

 

في شهر تشرين الثاني 2020 فرضت وزارتا الخزانة والخارجية الأميركيتان، عقوبات على وزير الخارجية السابق، النائب جبران باسيل بسبب دوره في انتشار الفساد في البلاد، بموجب القرار التنفيذي رقم 13818، والذي يستهدف مكافحة الفساد ومنع انتهاكات حقوق الإنسان حول العالم.

 

واتهم البيان باسيل بأنّه في مقدمة الفساد داخل لبنان: ففي عام 2017، وثـّق باسيل قاعدته السياسية بتعيين أصدقاء له في مناصب، بجانب شرائه النفوذ داخل الأوساط السياسية اللبنانية بأشكال مختلفة. وفي عام 2014، تورط باسيل عندما كان وزيراً للمياه، في مشاريع، كان هدفها توجيه أموال الحكومة اللبنانية إلى أفراد مقربين منه، من خلال واجهة من الشركات.

 

ونتيجة التهم السابقة، فإن جميع الممتلكات والمصالح الخاصة بباسيل، وأي كيانات يملكها بشكل مباشر أو غير مباشر بنسبة 50 بالمئة أو أكثر، بشكل فردي أو مع أشخاص محظورين آخرين في الولايات المتحدة، سيتم حظرها وسيتم الإبلاغ عنها في مكتب مراقبة الأصول الأجنبية.

 

واختتم البيان، بأنه نتيجة لتورط باسيل في فساد، فإنه لن يكون مؤهلا لدخول الولايات المتحدة، بموجب القسم 7031 (C)، من قانون وزارة الخارجية الأميركية، والعمليات الخارجية الصادر في عام 2020.

 

تسخير مشاريع الدولة لصالح السلاح

 

وفي استكمال لهذا المسار، كشفت معلومات صحافية عن تورّط باسيل في تسخير مشروع سدّ بسري ومنشآته لصالح الأهداف الأمنية والاستراتيجية لـ«حزب الله»، وهذا انكشاف شديد الخطورة يوضح مدى تورّط باسيل في اختراق مؤسسات الدولة، فضلاً عن انحراف عناصر في تياره نحو تجارة المخدرات، كما هو حال أسعد خليل كيوان في البرازيل وعائلة جوزاف عون في كندا، من دون أن يصدر عن قيادة التيار أي نفي أو توضيح.

 

ما هي الخطوة التالية؟

 

وصل مشروع جبران باسيل إلى مفترق طرق بات يُحتّم عليه تغيير قواعد اللعبة لضمان انتقاله إلى وضعية القوّة المسيحية المستفيدة من تحالفاتها الإقليمية مع إيران والنظام السوري، وهو يطمح إلى كسر التفوّق الشعبي والقدرة الميدانية للقوات اللبنانية على الحشد والحركة في الشارع، وفي التقدّم السياسي الذي بات واضحاً على امتداد المناطق المسيحية.

 

وبعيداً عن الجدليّة حول صحّة أو نفي اتصال باسيل ببشار الأسد، إلاّ أنّ المسألة تتجاوز الشكليات، لتدخل في عمق رحلة باسيل في عالم الممانعة، فهو بعد خضوعه للعقوبات الأميركية يسعى لبناء خطٍ مستقلٍ وخاصٍ به، على غرار ما يفعله «حزب الله»، مع الفارق في القياس لجهة الحجم والإمكانات، وهو يطمح إلى علاقاتٍ تحالفية كاملة مع النظام السوري تشمل كلّ الجوانب الاستراتيجية التي تجعل التيار الوطني الحرّ نسخة مسيحية مصغّرة عن الحزب ونـُسَخِهِ المنتشرة في العالم العربي، فأيّ دور سيكون لباسيل وتياره في ظلّ هذه التحوّلات؟

 

العسكرة أهم ميزات الملتحقين بالمشروع الإيراني

 

أثبتت الوقائع أنّ أيّ حزب أو تيار يتحالف مع «حزب الله» يخضع تدريجياً إلى عملية تغيير داخلية لتصبح دائرته الصلبة مرتبطة عضوياً بالحزب، ليس في السياسة فقط، بل في الأيديولوجيا السياسية، وبهذه الخلفية، نشأ التنظير لحلف الأقليات الذي يستند إلى قبول المسيحيين حماية الشيعة في مواجهة الأكثرية السنية في العالم العربي بمشرقه ومغربه.

 

من هذه المنطلقات، ثمّة من يرى أنّ مسار المشروع الإيراني في لبنان لن يختلف عن مآلاته في العراق وسوريا واليمن، لجهة إنبات التشكيلات المسلّحة على حساب الجيش والمؤسسات الأمنية الشرعية، ويبدو أنّ هناك من يغري جبران باسيل بخوض هذه التجربة استناداً إلى توقعات الفوضى المقبلة في الطريق إلى جهنم.