Site icon IMLebanon

جنرالات ترامب وإيران وسورية واليمن

بات دونالد ترامب متساوياً مع فلاديمير بوتين في الأفعال التي يصعب التنبؤ بها. وهذا ما يجعل كلاً من الدولتين العظميين في حال استنفار وترقب لخطوات الأخرى في ميادين التنافس والصراع والخلاف على امتداد الكرة الأرضية، من سورية مروراً بأوروبا وأوكرانيا واليمن وإيران وصولاً إلى كوريا الشمالية وبحر الصين الجنوبي.

فالاستنتاج أن إدارة ترامب تسير بلا خطة أو سياسة واضحة ما زال يشغل بال أصحاب القرار في العالم، ومنه العالم العربي، على رغم أن ضربة صواريخ «توماهوك» لمطار الشعيرات رداً على استخدام النظام السوري غاز السارين في خان شيخون، ثم إلقاء «أم القنابل» على مخابئ «داعش» في أفغانستان وإرسال قطع بحرية إلى المياه الآسيوية، قد تنذر كلها بأن هذه الخطة آخذة في الاتضاح. إلا أن ما قاله نائب الرئيس الأميركي مايك بنس عن أن بلاده غادرت «استراتيجية الصبر» التي حكمت سياستها السابقة على الصعيد الدولي، لا يعني أن هناك استراتيجية بديلة باتت واضحة. وهذا ما يصعّب التنبؤ بخطوات هذه الإدارة. ولربما يشي اعتماد الغموض في شأن ما يمكن أن تُقدم عليه بأنها تقوم على الخطوات غير المتوقعة لتبني عليها ما بعدها وفقا لردود الفعل.

ولعل هذا الأسلوب أقرب إلى المنطق العسكري البراغماتي منه إلى السياسي، على رغم أن ما أقدمت عليه واشنطن إلى الآن هو منح قدراتها التفاوضية أنياباً، لتكون ديبلوماسيتها أكثر فعالية. فالرئيس الذي يصعب التنبؤ بأفعاله والذي يفتقد الخبرة في السياسة الدولية اضطر إلى مغادرة مبدأ «أميركا أولاً» في ما يخص التحديات الخارجية، لأنه يتكل على 3 جنرالات هم الذين يركن إليهم: وزير الدفاع جيمس ماتيس، مستشاره للأمن القومي هربرت ماكماستر، ووزير الأمن الداخلي جون كيلي. فهؤلاء هم الذين سبق أن تعاطوا مع الأزمات الخارجية التي تتأثر بها مصالح أميركا، في العقود الماضية، بشتى أوجهها.

قد لا يعني تغيير ترامب موقفه من الأسد أن إزاحته باتت أولوية قياساً إلى تصريحات سابقة بأن إزاحته لا تهم واشنطن، إلا أن قصف قاعدة الشعيرات أعاد طرح مصير الأسد على الطاولة، تحت عنوان التفاوض على المرحلة الانتقالية في الحكم، بالتوازي مع أولوية القضاء على «داعش» بإنهاء وجوده في الرقة، بعد الموصل.

ولا يعني استخدام واشنطن القوة في سورية ورفع عديد قواتها على الأرض السورية أنها ستدخل في صدام مع روسيا راعية الأسد. فموسكو نفسها سعت إلى حصر العمل العسكري الأميركي باستهداف قوات الأسد، حين ذكّرت بأن صواريخ «أس 300 و400» موجودة لحماية قواعدها في طرطوس وحميميم، والذي يفهم منه أنها ليست لحماية النظام، بعدما أدركت أن إبلاغها نية قصف الشعيرات قبل ساعات توخّى سحب أي جنود لها فيها، تجنباً للصدام معها.

ومن ارتدادات الضربة أن موسكو نفت علمها بالبيان الذي صدر عن غرفة العمليات المشتركة مع إيران والجيش النظامي السوري الذي يهدد واشنطن «لتجاوزها الخطوط الحمر»، وأن اتفاق وزيري خارجية البلدين في موسكو على السعي إلى حل سياسي أخذ يعدل في طاولة التفاوض في آستانة (مطلع أيار/ مايو) بحيث تتم دعوة حلفاء واشنطن العرب، السعودية وقطر إليها، إضافة إلى الأردن، بعدما اقتصرت رعاية وقف النار غير المحقق، على روسيا وتركيا وإيران. ومن الارتدادات أن الاطمئنان الأسدي إلى حيادية واشنطن إزاء حاكم دمشق تلاشى. وطبيعي أن يفقد بعض مؤيدي رأس النظام الشعور بالأمان لمعرفتهم بهشاشة إمساكه بالسلطة وانشغال المحيطين به بتكديس الثروات وتصدر اقتصاد الحرب، ولإدراكهم الدورين الروسي والإيراني في إبقائه في دمشق، مقابل التراخي الأميركي السابق حيال جرائمه. ويتساوى في ذلك أن المناطق والقوى القبلية السورية التي فضلت تفادي العداء مع النظام بدأت تتلمس الطريق إلى الخروج من الحياد مع التحضير الأميركي لقيام منطقة مستقرة (آمنة) جنوب سورية، خلال الأشهر المقبلة، انطلاقا من الأردن… لنقل نازحين من لبنان والأردن إليها.

توحي الخطوات الأميركية في بلاد الشام بأن النهج الجديد لن يؤتي نتائج سريعة، وأنه يتوخى الإفادة من تفاعلاته بدل التدخل العسكري المباشر لتسريع هذه النتائج. والتفسير المنطقي لذلك ربما يكون في تصريحات ماتيس في السعودية ووزير الخارجية ريكس تيلرسون، عن ضرورة وضع حد لزعزعة إيران الاستقرار في المنطقة.

تبدو الأولوية لمواجهة ايران في اليمن، بعد أن أقحمت الحوثيين في تهديد الملاحة في باب المندب وفي استهداف الأراضي السعودية بالصواريخ الباليستية. فهناك يمكن امتحان فعالية عودة واشنطن إلى التشديد على إنجاح الحلول السياسية، في سائر الدول.