Site icon IMLebanon

الإنحدار العمودي نحو الأمبير الواحد…

 

سعادة: التسعيرة ظالمة بحقّنا وقاتلة بالنسبة إلى المواطنين

 

قصة المولدات في لبنان مثل حكاية إبريق الزيت، فبين انخفاض ساعات التغذية بالتيار الكهربائي وارتفاع سعر المازوت وتسعيرة الدولار يدور أصحاب المولدات ومعهم المواطنون ويغرق البلد في العتمة… على من يقع اللوم؟ على من يتّهمهم الناس بالجشع والتسعير الاعتباطي؟ أم على وزارة الطاقة التي “تقطّر” الكهرباء وتفرض على أصحاب المولدات تسعيرة أقرب الى الوهم منها الى الواقع؟ أم على وزارة الاقتصاد العاجزة عن مراقبة تعرفة المولدات؟ أم الحق على المواطن وحده الذي ولد في هذا الوطن البائس؟

 

تعرفة المولدات هي اليوم الهمّ الأكبر للمواطن اللبناني بعد همّ الأكل والشرب وربما قبلهما، فقد يتلقى الفقراء ما يعينهم على الصمود من مواد غذائية وإعانات عينية لحياتهم اليومية لكن من يؤمن لهم كهرباءهم؟ من يدفع عنهم أو معهم تكلفة المولّد الذي لا غنى عنه؟ لا الجمعيات الخيرية ولا البلديات ولا المرشحين للنيابة أوالفاعليات السياسية قادرة أو مستعدة لدعم فاتورة المولد للعاجزين عن تسديدها، انهم متروكون لأنفسهم ليدبروا رأسهم في موضوع الكهرباء كما يقدرون. كثر منهم انحدروا في فقرهم من خمسة أمبير الى ثلاثة او حتى الى أمبير واحد بالكاد يكفي لمبة وتلفزيون. واقع مؤلم لا يلوح في عتمته أي بصيص ضوء.

تعرفة المولدات قضية متشعبة تضع الناس في مواجهة مباشرة مع أصحاب المولدات بدل أن تكون مواجهتهم مع أصل المشكلة وسببها وهوغياب التيار الكهربائي بشكل شبه كلي عن البيوت. وقصص المواجهة بين الطرفين لا تنتهي، وأخبار “سلبطة” أصحاب المولدات على الأحياء “كقصص الحيّات” ترويها ربات البيوت بحماسة مجبولة بـ”السم”. في أحد أحياء العاصمة بيروت تروي هناء أن “الأزعر” وهو الاسم الذي تستعمله للحديث عن صاحب المولد لم يرض بأن يركب عدادات في الحي بل يطلب تعرفة مقطوعة تصل الى مليون وخمسمائة ألف ليرة بدل خمسة أمبير وثلاثة ملايين لعشرة أمبير. ويرفض تخفيض الأمبيرات الى 3 او 2 لمن يطلب ذلك. لا يتقيد ” الأزعر” بأي برنامج للتقنين كما يفعل أصحاب المولدات في مناطق أخرى بل يخضع البرنامج لمزاجه الخاص ويتغير كل يوم. والأفظع أنه لا يخفض من التعرفة حتى لو ازدادت ساعات التغذية بالتيار الكهربائي.فهو “متحكم” بالناس كما تقول هناء وشعاره” ما عجبك اقطعه”.

 

وتؤكد السيدة كما عدد من أبناء المنطقة أن شبكة الموتورات فيها تخضع لحماية قوى الأمر الواقع وأحد الأحزاب الفاعلة في المنطقة وكل اصحابها أو مشغليها يلتزمون بتوجيهات الرأس الكبير ويدفعون له حصة مقابل إعطائهم الحق بالتشغيل أو حتى حمايتهم”. وكأننا عدنا الى زمن الحرب والميلشيات والخوات التي كانت تدفع لزعماء الأحياء، تقول إحدى السيدات وتروي كيف أنها حين حاولت الانتقال الى مولد خاص في بناية مجاورة تم قطع الأسلاك والإمدادات الجديدة وتهديد صاحب المولد الخاص لإجبارها على الإبقاء على اشتراكها القديم. ولم تنفع مع القديم الوساطات فالواسطة يجب ان تتم مع الرأس الكبير المشرف على كل المولدات…” وفي منطقة أخرى من مناطق بيروت يؤكد أحد السكان لـ “نداء الوطن” أن صاحب أحد المولدات يفرض التعريفة بالدولار بسعر 65 دولاراً بدل خمسة أمبير…

 

لا شك أن هذه الروايات لا تمثل الفئة العظمى من أصحاب المولدات لكنها واقع لا يمكن إنكاره. “والزعرنة” ووضع الناس تحت الأمر الواقع جعلت من صاحب المولد “عدو الشعب” رقم واحد!

 

تسعيرة قاتلة

 

عبدو سعادة رئيس تجمع أصحاب المولدات يحاول شرح الواقع كما هو بدون التلطي في خيال اصبعه. فالطابة ليست في مرمى أصحاب المولدات بل عند وزارة الطاقة التي تضع التسعيرة. ويؤكد ان معظم اصحاب المولدات يلتزمون بالتسعيرة ولو على حساب أرباحهم وأن 75 % من الاشتراكات تخضع اليوم لنظام العدادات فيما الـ 25% الباقية هي التي رفض مشتركوها او أصحاب المولدات تركيب عدادات لها لأسباب مختلفة. التسعيرة التي تصدرها وزارة الطاقة يؤكد سعادة مجحفة بحق أصحاب المولدات والمشتركين على حد سواء فهي حالياً 6500 ليرة لكل كيلوواط على السواحل و 7152 ليرة في المناطق العالية والقرى. من هنا باتت كلفة الاشتراك على المواطن مرتفعة جداً أما على صاحب المولد فهي لا تراعي سعر صرف الدولار وارتفاعه المستمر ولا سعر المازوت الذي تحتسبه وزارة الطاقة بسعر وسطي هو 314000 للصفيحة فيما هو في السوق أعلى من ذلك بكثير. وعدم مراعاة هذين الأمرين يجعل أصحاب المولدات بالكاد قادرين على شراء المازوت لتشغيل مولداتهم وتحصيل كلفة التشغيل ومصاريف الصيانة من دون احتساب اية أرباح.

 

ويصر سعادة أنه إذا لبت وزارة الطاقة مطالبهم بدعم المازوت وتثبيت سعر صرف الدولار فإن كلفة المولد قد تتناقص الى النصف وكذلك إذا ازدادت ساعات التغذية بالتيار الكهربائي يمكن ان تنخفض الفاتورة أيضاً وبذلك نوفر على المواطنين حملاً ثقيلاً..

 

” نحن مستعدون للوقوف الى جانب كل بيت ولن ندع أحداً يعيش في العتمة ومستعدون ان نعطي من يشاء أمبير او اثنين او ثلاث ولا نريد أرباحاً فنحن لسنا “زعران” بل ان التسعيرة ظالمة بحقنا وقاتلة بالنسبة للمواطنين”.

لكن حسن النية هذه يقابلها تشكيك من قبل المواطنين ولا سيما الذين يتعرضون لتسلّط بعض أصحاب المولدات، لكن سعادة يبرر الفوضى الحاصلة بقوله ان البعض ممن لم يركبوا العدادات لمشتركيهم يحسبون الكلفة حسب ساعات التغذية التي يؤمنونها فهم يتولون حساباتهم بأنفسهم حتى لا يخسروا. صحيح ان الالتزام بالتسعيرة ليس 100% لكن لا يمكن تحميل أصحاب المولدات سبب ارتفاع كلفة الاشتراك. هذا ظلم بحقهم لأن من يخسر لن يلتزم حكماً بتسعيرة الدولة فإما أن يعطي الكهرباء وفق حساباته او من الأفضل له ان يطفئ مولده. “لسنا كلنا ملائكة” يقول سعادة ولا كلنا شياطين، اعطونا حقنا وكلنا مستعدون للالتزام. لا نريد قرشاً حراماً ونحن ضد ظلم الناس”.

 

في بيوت الناس مشكلة أقسى نسجها الفقر والعوز، فلا التسعيرة هي ما يهمهم ولا مبرراتها فحتى لو انخفضت الى النصف او الربع لا يزالون غير قادرين على مقاربتها هم الذين هجرت الليرات جيوبهم وباتوا غير قادرين على تأمين قوت يومهم. هم الفقراء والموظفون والعمال والسائقون العموميون وغيرهم ممن لا يزالون يقبضون رواتبهم بالليرة اللبنانية وبحدها الأدنى الذين صار اشتراك المولد عبئاً لا يستطيعون تحمل كلفته ولا كلفة العيش من قلة الموت من دونه. هؤلاء وبحسب عدد من أصحاب المولدات خفضوا من حجم اشتراكهم وانزلوه الى بضعة أمبيرات لا تكاد تكفي لمبة وجهاز تلفزيون في البيت. تجاهلوا البراد والانترنت والأدوات الكهربائية واكتفوا بقبس من ضوء يدعمونه بالبطاريات وبما تيسر. سعادة لا يملك احصاءات حول نسب هؤلاء لكنه أكيد أن الناس منهكون وإذا كانت هذه الظاهرة ليست فاقعة في بيروت والساحل إلا أنها في أحزمة الفقر ومناطق الأطراف وحتى في الجبال تكاد تتحول مأساة فالأزمة تلقي بظلالها الثقيلة على الفقراء لكن الحل ليس حتماً عند أصحاب المولدات بل عند الدولة.

 

معاناة الجبال مع التيار

 

في الجبال المعاناة مع التيار الكهربائي والمولدات تتخذ بعداً آخر، هنا البيوت متباعدة والمسافات الضرورية للإمدادات أطول ما يجعل سعر الكيلوواط أعلى ويرفع تكلفة الاشتراك. لكن وجود الاشتراك ضرورة في كل بيت جبلي وفق ما يخبرنا وسيم مهنا مختار بلدة كفرذبيان. هنا لا يعتمد السكان على الكهرباء للتدفئة لكن وجود الكهرباء ضروري لأسباب كثيرة تختلف عما هي عليه في المدن. فأهل القرية يحتاجون وجود تيار كهربائي متواصل للحفاظ على الثلاجات او اجهزة التبريد والفريزر التي يحفظون فيها مؤونة الشتاء التي تجنبهم الخروج أثناء العواصف. وهم بحاجة للإنارة حتى في وضح النهار مع وجود الضباب والغيم في أيام الشتاء، والطاقة الشمسية التي يعول عليها في المدن كبديل عن الكهرباء ليست فعالة في أيام الشتاء في القرى الجبلية لندرة وجود الشمس، هذا إضافة الى ضرورة وجود الانترنت لتأمين التعلم والعمل عن بعد في زمن الكورونا والعواصف الثلجية، من هنا يؤكد المختار ان حاجة كل بيت للمولد تجعل تكلفة الاشتراك لا تقل عن ثلاثة ملايين ليرة شهرياً للبيت العادي وترتفع مع ارتفاع الحاجة الى الكهرباء هذا في ظل تقنين حاد جداً للكهرباء بحيث تصل ساعة نهاراً وأخرى ليلاً. ويقول المختار رغم وجود شركة الكهرباء في كسروان وما يستتبع ذلك من ارتفاع في التلوث والإصابات بالسرطان إلا أن المنطقة تعاني من تقنين حاد يجبرها على الاتكال بشكل كبير على المولدات، وذلك ليس لإضاءة البيوت فحسب بل لأضاءة الطرقات والمستديرات التي تتحول الى خطر داهم مع وجود الضباب المترافق مع عدم الإضاءة.

 

نسأل المختار كيف يتدبر السكان أمرهم وهل كلهم قادرون على الالتزام بتكلفة المولد فيقول ان المنطقة لم تشهد بعد تراجع حجم الاشتراك الى أقل من خمسة أمبيرات لكن ثمة اشخاص كثر عادوا الى وسائل الطاقة البديلة مثل البطاريات و الـAPS والمولدات القديمة لتشغيل أقله أجهزة التلفزيون وبضع لمبات أما البرادات فلم يعد فيها ما يخافون عليه بعد أن صارت تحتوي على القليل القليل مما لا يفسده غياب الكهرباء.

 

وضع أصحاب المولدات هنا لايحسدون عليه ولا يختلف كثيراً عن وضع الناس المتعبين فصاحب المولد في الضيعة لا يمكنه ان يقطع الاشتراك عمن يتخلف عن الدفع او يؤجل لشهر أو شهرين فروح التضامن القروية تمنع ذلك لذا هم يواجهون صعوبة في الجباية يضاف اليها صعوبة توافر مادة المازوت وارتفاع الحاجة الى الصيانة لأن المولدات تُستهلك بشكل أكبر مع اضطرارها للعمل لأكثر من عشرين ساعة في ظل التقنين الحاد وغير المقبول في التيار الكهربائي وعدم قدرة المولدات على اعتماد التقنين بعد الظهر لا سيما شتاء حين يحل الظلام باكراً في الجبال. يؤكد المختار أن الحل هو في دعم المولدات في القرى لتتمكن من تلبية احتياجات الأهالي والاستمرار في عملها.

 

فهل من مستجيب أم أن سياسة صم الآذان باتت عرفاً متبعاً في كل مرافق الدولة ؟