Site icon IMLebanon

من “يدير” الاستحقاق الرئاسي: الداخل أم الخارج؟

 

 

في حسابات المتفائلين، أنّ وتيرة الحراك الداخلي لمقاربة الاستحقاق الرئاسي سترتفع مع بدء المهلة الدستورية لانتخاب الرئيس العتيد مطلع ايلول المقبل. وقد تجاهلوا حجم العجز المتمادي لدى المنظومة في مواجهة أي استحقاق آخر اقل أهمية. وهو ما يدفع بالآخرين إلى البحث عمّن يعالج هذا الملف، في ظل الانشغال الدولي عن مثل هذه القضايا الداخلية. وعليه، طُرح السؤال عن القادر على إتمام هذا الاستحقاق، وهل هو في الداخل أم في الخارج؟

في ظلّ مجموعة الأزمات المتنامية التي تناسلت لتمتد إلى مختلف وجوه حياة اللبنانيين، يقترب الاستحقاق الرئاسي المتمثل ببدء المهلة الدستورية لانتخاب الرئيس التي تحدثت عنها المادة 73 قبل 60 يومًا على نهاية ولاية الرئيس الحالي، والتي تُحسب بدءًا من الاول من ايلول المقبل، والتي على رئيس مجلس النواب نبيه بري أن يدعو المجلس إلى انتخاب الرئيس، قبل أن يتحول المجلس في الايام العشرة الاخيرة «حُكمًا» «هيئة ناخبة»، بحيث عليه، ما لم يقم بواجبه في الفترة السابقة من المهلة الدستورية بأيامها الخمسين، أن يلتئم لانتخابه من دون أي دعوة، وقبل القيام بأي عمل آخر.

 

حتى هذه اللحظة لم يظهر انّ هناك أي تفسير دستوري آخر لشكل ومضمون هذه المادة والمهلة الدستورية التي تحدثت عنها، في انتظار بدء مسلسل الدعوات التي سيوجّهها رئيس المجلس – إن أطلق هذه الآلية بعد الاول من ايلول المقبل – لمعرفة حجم الاستعدادات للحروب الدستورية التي يمكن أستنساخها مجددًا كما حصل في استحقاقات سابقة، والتي سيحضر فيها «مفتيو البلاط» الموجودون في كل مواقع السلطات الدستورية.

 

وإلى تلك اللحظة، تحفل الصالونات السياسية والحزبية والديبلوماسية بالسيناريوهات التي تحاكي انتخاب رئيس للجمهورية، من دون ان يتوافر الإجماع على إمكان انجازه من ضمن المهلة الدستورية المحكي عنها لألف سبب وسبب. فكل المؤشرات الماثلة تحاكي أكثر من سيناريو لمقاربة الموضوع، وأولها ذلك الذي تحدث عنه رئيس المجلس النيابي نبيه بري بصفته صاحب الدعوة إلى جلسة الانتخاب، والذي قال قبل فترة، انّه لن يوجّه الدعوة إليها قبل البتّ بالاصلاحات التي تعهّد المجلس إقرارها تلبية للتفاهم بالأحرف الاولى على مستوى الموظفين مع صندوق النقد الدولي، وإقرار خطة التعافي. وهي استحقاقات كبيرة، يبدو من الصعب تحقيق أي منها او جميعها قبل انتهاء المهلة الدستورية لانتخاب الرئيس العتيد. وهو ما فتح الجدل حول إمكان عبور هذه المهلة من دون إتمام الاستحقاق توصلًا الى مرحلة ما بعد نهاية الولاية في الاول من تشرين الثاني المقبل، بعدما يحلّ الشغور الرئاسي ولو لأيام او اسابيع وربما لأشهر، لا يمكن أي جهة التكهن بها، أيًا كانت قدرتها على التأثير في مجرى الأحداث وتحولاتها، قبل بلوغ تلك المرحلة.

 

على هذه الخلفيات تتعمق المراجع الديبلوماسية في قراءة المؤشرات التي تتحكّم بالاستحقاق الرئاسي، من دون القدرة على الحسم بأي خطوة ممكنة. فالمنظومة التي قرّرت بكل بساطة «عدم الحاجة» إلى تشكيل حكومة جديدة بعد دخول الحكومة الحالية مدار تصريف الاعمال منذ ان تسلّم المجلس النيابي الجديد مهماته في 22 ايار الماضي، عبّرت عمّا فيه الكفاية عن إمكان أن تبقى البلاد في مدار الخروج على ما يقول به الدستور وترعاه القوانين. فبقيت الامور على غاربها من دون اي خريطة طريق يمكن ان تؤدي الى التعافي والإنقاذ.

 

فمنذ أن أقفلت صناديق الاقتراع في 15 ايار الماضي، وتسلّم المجلس النيابي الجديد مهماته، قيل في السرّ والعلن أن لا حاجة لحكومة جديدة تدير الفترة الفاصلة عن نهاية ولاية الرئيس، فهو لا يريد حكومة جديدة لا يتحكّم بتركيبتها ومعه «التيار الوطني الحر». ولم يُظهر الرئيس المكلّف وجود نية بتشكيل حكومة جديدة، فقدّم عرضًا مرفوضًا سلفًا، ولم يبد اي تجاوب لمناقشته لا هو ولا رئيس الجمهورية، فقال كل منهما كلمات قليلة في الموضوع، وغاب التنسيق والتواصل بينهما، فيما بقيت القوى الاخرى المتمثلة برئيس مجلس النواب و»حزب الله» يتفرجون على مسار الأزمة من دون بذل أي جهد يؤدي إلى تشكيل الحكومة، وهو ما شكّل اقرارًا صريحًا بعدم الحاجة اليها، ايًا كانت الكلفة المقدّرة على لبنان واللبنانيين. فلعبة المصالح التي تديرها المنظومة الرئاسية التي بقيت على ما هي عليه قبل الانتخابات النيابية وبعدها، غلبت بقوتها أي مشروع او سيناريو آخر، وبقي الوضع مأزومًا في ظلّ تحلّل الدولة المتمادي وتفكّك مؤسساتها وغياب بعض خدماتها وانعدام أخرى، ولم تنجح قوى المعارضة ومعها القوى التغييرية من إحداث أي تغيير مرتقب او أي تعديل بسيط في مجرى الاحداث. وما زاد في الطين بلة، أنّ المؤشرات الدالة إلى طريقة مقاربة الاستحقاق الرئاسي لن تكون أفضل بكثير مما واجهته قوى المعارضة والتغييريون للأحداث والمحطات التي عبرت. فقد عبّرت عن عدم قدرتها في مواجهة أي من محطات دستورية سابقة، وعجزت عن أي تعديل في رئاسة مجلس النواب. وإن كان ذلك مستحيلًا في ظل الثنائية الشيعية التي تحكمت بالاستحقاق، فإنّ فشلها في مقاربة المحطات الاخرى لا يبشر بإمكان مواجهة الاستحقاق الرئاسي. وان تفكّكت الاكثرية السابقة التي كان يديرها الثنائي الشيعي و»التيار الوطني الحر»، فلم يتمكن أي طرف آخر من تكوين اكثرية جديدة.

 

فالمنظومة التي لم تتفاهم على أسماء 20 او 24 وزيرًا لتشكيل حكومة، وبعدما فضّلت الاحتفاظ بالقديم على قدمه، كيف يمكنها ان تواجه اختيار الرئيس العتيد للجمهورية. واللقاءات التي بدأتها قوى التغيير والمعارضة لتوحيد موقفها ما زال دونها عقبات هائلة، وإن أجمعت التكتلات النيابية الكبرى على تفكيكها فلن تكون مهمتها صعبة. ومرد ذلك إلى حرب المواصفات التي اندلعت، وبات من الصعب الحديث عن رئيس «قوي» له تمثيله النيابي طالما انّ رؤساء الكتل النيابية الكبرى باتوا على مسافة أشواط بعيدة من قصر بعبدا. وانّ الحديث عن رئيس «تحدّي» يكون «سياديًا» او «اصلاحيًا» او تغييريًا» ما زال ضربًا من سابع المستحيلات، ليس بسبب فشل قوى التغيير والمعارضة في التوصل إلى التفاهم في شأنه، بل لأن هناك «ثنائية شيعية» على الأقل واكثرية معطّلة تجمعها مع «التيار الوطني الحر» وتكتلات نيابية صغيرة ومفكّكة لن تسمح بعبور هذا الرجل «الاستثنائي» الطريق إلى قصر بعبدا، فيما الحديث عن رئيس «توافقي» ما زال بعيد المنال.

 

عند هذه الملاحظات لا يبدو أنّ المخرج لإتمام الاستحقاق الرئاسي موجود على الساحة الداخلية. وما لم تأتِ التفاهمات الكبرى به من الخارج، فإنّ من المستحيل التفاهم داخليًا على من يقود السفينة، في انتظار ان تختاره القوى الاقليمية المتباعدة في نظرتها إلى الوضع في لبنان ومستقبله. ولذلك، وما لم يطرأ ما ليس في الحسبان، فإنّ الطريق التي تؤدي إلى انتخاب الرئيس العتيد ما زالت طويلة والعوائق كثيرة، إلى ان يأتي اي من التفاهمات على ذكره، وهو أمر لا تاريخ له ولا موعد محدّداً من اليوم.