Site icon IMLebanon

قمة هلسنكي ومحاولة اختراق واشنطن التحالفات الدولية

 

 

هل هي مصادفة أن يأتي الاجتماع الرسمي الأول بين الرئيسين الأميركي دونالد ترامب، والروسي فلاديمير بوتين، بعد قمة رؤساء دول حلف «ناتو» في بروكسيل، وبعد قمة الدول السبع التي سبقتها وبعد الحرب التجارية التي أعلنتها الإدارة الأميركية على الصين، والتهديد بمثلها، وإن في شكل أقل حدة، مع أوروبا. ناهيك عن كندا والمكسيك؟ وهل هي مصادفة أن يلتقي الرئيسان في العاصمة الفنلندية هلسنكي تحديداً، في وقت يسعى كل منهما إلى تكريس شعاره في فرض قوة بلاده، وجعلها على قمة النظام الدولي الذي يتشكل راهناً؟.

 

 

لا نعتقد أن في الأمر أي مصادفة، فاختيار هلسنكي يستند إلى أنها تتمتع بعلاقات متميزة مع كل من واشنطن وموسكو، فضلاً عن كونها تُمثل أرضاً «محايدة»، لأنها ليست جزءاً من حلف «ناتو»، على رغم عضوية فنلندا في الاتحاد الأوروبي. أضف إلى ذلك، وهذا هو الجدير بالتأمل والاهتمام في آن، أن اللقاءات التي استضافتها هلسنكي، من قبل، بين صناع القرار في واشنطن وموسكو، أعقبتها تغيرات مهمة في ساحة العلاقات الدولية عموماً، أو في طبيعة العلاقات بين واشنطن وموسكو خصوصاً. يكفي أن نتذكر، في هذا المجال، اتفاقية هلسنكي التي وقّعها رؤساء 35 دولة، وجاءت نتيجة مفاوضات جيرالد فورد مع ليونيد بريجينيف، في هلسنكي عام 1975، والتي كانت المقدمة الفعلية لانتهاء الحرب الباردة بين الشرق والغرب، وما أعقب ذلك من اندلاع ثورات عام 1989 في أوروبا الشرقية. يكفي أن نتذكر، أيضاً، لقاء بوش الأب مع ميخائيل غورباتشوف، في هلسنكي عام 1990، لمناقشة أزمة الخليج العربي، قبل انهيار الاتحاد السوفياتي ببضعة أشهر، وما تلى ذلك من نتائج كبرى في تاريخ العالم المعاصر، وفي خرائطه السياسية والاستراتيجية، التي نعيش ملامحها حالياً. وإذا كان ذلك مما يؤشر إلى دوافع اختيار هلسنكي لعقد القمة الروسية الأميركية، وما يمكن توقعه من تغيير محتمل في طبيعة توجهات كل من القوتين الأكبر في «المنظومة» الدولية الحالية، فإن انتفاء المصادفة يتأكد إذا لاحظنا ملامح ومؤشرات الحرب التجارية التي يخوضها الرئيس الأميركي مع الصين، ومع الاتحاد الأوروبي وجارتيه كندا والمكسيك. قطعاً، لا يمكن تجاهل حقيقة أن روسيا ليست «العامل الحاسم» في الحرب التجارية الأميركية مع الصين، واتجاهاتها، لكن، في الوقت نفسه لا يمكن إنكار احتمالات أن يتردد صداها، بشدة، في الاقتصاد الروسي الذي يتعرض لعقوبات غربية على خلفية أزمة أوكرانيا وشبه جزيرة القرم.

 

وفي نظرنا، فإن هذه الحرب التجارية ليست وليدة اللحظة، أو أن ترامب يحاول إشعالها اعتباطاً، بل، بدأت مؤشراتها تتضح منذ قمة العشرين في العام الماضي، وما تبدى خلالها من اختلاف واضح بين القوى الدولية الكبرى، حول المصالح والتوجهات الاقتصادية. إذ، حينذاك، ظهر بوضوح أن ثمة اتجاهين يتنافسان، بل يتصارعان: الأول، التوجه المُعبر عن الإنعزالية الأميركية، أو حمائية ترامب، الذي تأتي على خلفية «أميركا أولاً» التي تستهدف حماية التجارة الأميركية. أما التوجه الآخر، فهو ذلك الذي تقوده ألمانيا، ومعها الصين وفرنسا، دفاعاً عن حرية التجارة العالمية، في مواجهة التوجه الأميركي.

 

ومن ثم، تبدو المحاولة الأميركية لاختراق الاستقطاب الدولي الحاصل في الشأن الاقتصادي، بل وفي إعادة ترسيم الخريطة الاقتصادية العالمية في شكل يحقق المصالح الأميركية، ولكن مِن طريق القطب العسكري والاستراتيجي المهم دولياً، روسيا. فالرئيس الأميركي يعتقد أن الحرب التجارية التي يخوضها، مع الصين، ومع حلفاء أميركا الأوروبيين، إضافة إلى كندا والمكسيك، ستؤدي إلى تطويع هذه القوى ورضوخها لشروطه، على خلفية قناعته ـ كرجل يدير العلاقات الأميركية الدولية بمنطق «رجل الأعمال»ـ بأن استخدام سياسة الضغط يثمر نتائج أفضل بكثير من الطرق الديبلوماسية.

 

وبالتالي، ليس من المصادفة أن يندفع ترامب إلى ترتيب قمة هلسنكي مع بوتين، بعد مفاجأة العالم في الاحتفاء بالزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، وازدراءه نظرائه الأوروبيين والكنديين في قمة مجموعة الســــبع؛ ناهيك عن مطالبته دول «ناتو» بزيادة مساهمتها في موازنة الحلف، ورفع الانفاق العسكري إلى اثنين في المئة من إجمالي الناتج المحلي الداخلي، في العام 2024. ومن ثم، فالرسالة الترامبية إلى حلفاء أميركا تتمثل ملامحها في الضغط على أوروبا عبر احتمال أن يتغاضى ترامب عن البحث في ملفات تخص قضايا ذات اهتمام أوروبي، مثل أوكرانيا وشبه جزيرة القرم، فضلاً عن توسيع حلف «ناتو»، والأهم، إثارة القلق الأوروبي من مجرد اللقاء مع «القيصر» الذي يُتهم بأنه يطمح إلى تقويض الاتحاد الأوروبي. أضف إلى ذلك، التلويح الأميركي بالنتائج التي يمكن توقعها جراء صرف النظر أوروبياً عن الطموح الصيني في إنشاء بنية تحتية في عدد من دول أوروبا، خصوصاً في ما أطلقت عليه بكين «أكبر حرب تجارية» مع الولايات المتحدة.

 

ومثلما يحاول ترامب اختراق التحالفات الدولية القائمة، أو المحتملة، في الغرب الأوسط (دول الاتحاد الأوروبي)، فهو، في الوقت نفسه، يحاول اختراق التحالفات القائمة، أو المحتملة، في الشرق الأوسط (المنطقة العربية وجوارها الجغرافي). وهنا، تأتي أهمية الملف السوري، في أعمال قمة هلسنكي، حيث تتبدى مؤشرات المحاولة الأميركية في تفكيك هذا الملف وإعادة صياغته. يكفي أن نشير، في هذا الشأن، إلى الاهتمام الأميركي بتقليص التفاهم الروسي- التركي في سورية، والتلويح بالانسحاب الأميركي، ما يسهم في تفعيل العامل الكردي هناك، عبر «قوات سورية الديموقراطية».

 

أيضاً، لا يمكن صرف النظر عن الاهتمام الأميركي بتفكيك التلاقي الروسي- الإيراني في، وحول، سورية. وفي هذا الإطار، يأتي الانسحاب من الاتفاق النووي، واستئناف سياسة فرض العقوبات على إيران، والتركيز على منعها من تصدير النفط لتعميق متاعبها الداخلية، وإرغامها على التفاوض مجدداً حول الملف النووي والبرنامج الصاروخي لها. وبالتالي، فإن صرف النظر الأميركي عن بعض الملفات التي ثتير متاعب روسيا، يمكن أن يسهم في دفع الأخيرة إلى التزام التعهد بإخراج «الحرس الثوري» الإيراني، والميليشيات التي يرعاها، من بلاد الشام. ناهيك عن توتير أوروبا، و «العرب» أيضاً، من احتمال اندلاع حرب نفطية بعد تهديد إيران بإغلاق مضيق هرمز، إذا نجحت واشنطن في وقف تصدير النفط الإيراني.

 

هكذا، ترتسم المحاولة الأميركية في اختراق التحالفات الدولية، القائمة أو المحتملة، إن على مستوى شمال العالم، أو في الإطار الجنوبي له. ويبقى التساؤل حول إمكانية النجاح الأميركي في تفكيك السياسات الدولية الخاصة بالشرق الأوسط، في حال تم الدخول الإسرائيلي على الخط. إذ، لنا نحن العرب أن نتأمل النتائج المترتبة على إمكانية التوافق الأميركي الروسي حول بقاء الأسد في الحكم ما يزيد من النفوذ الروسي هناك، في مقابل الحد من نفوذ إيران في سورية، ما يزيد من الضغط الأميركي عليها، على الأقل تلك النتائج المحتملة بخصوص «صفقة القرن» التي ترتسم ملامحها في الآفاق.