Site icon IMLebanon

«حزب الله» والحلفاء: إخفاقٌ سنّياً..

 

 

يشبّهها البعض بتجربة حركة «فتح» خلال سبعينيات القرن الماضي، بينما يرفض البعض الآخر حتى المقارنة بين تعاطي «فتح» مع من عملوا معها وبين تعاطي «حزب الله» مع حلفائه: الأمران ليسا سيّان هنا.

 

قد يكون خروج الجيش السوري من لبنان عام 2005، وما سبق هذا الحدث وما لحق به، قد أحدث ارباكًا لدى «حزب الله» في طريقة التعاطي مع الداخل اللبناني. خرجت القوة المهيمنة وبقي هو قوة وحيدة لم تتعاطَ من مبدأ القوة في ما قبل ذلك التاريخ، حين كان «السوري» يحسن إحداث التوازن وإدارة البلاد سياسيًا ناجحًا في تحييد موضوع السلاح عن السجال.

حينذاك بات لزامًا على «حزب الله»، وانطلاقًا من قراءات داخلية، أن يذهب نحو تأمين حاضنة له في مختلف الطوائف، وهنا كانت له ثلاث تجارب مختلفة تستحق الدرس.

 

الأمر بدأ فعليًا بعد حرب تموز عام 2006، حين بات الانقسام عموديًا حول إشكالية وجود السلاح وقرار الحرب والسلم، بعدما كان في العام ونصف العام الذي سبق الحرب، انقسامًا عموديًا أيضًا، ولكن تحت عناوين تتعلق بسوريا والتحقيق في جريمة 14 شباط وطريقة حكم البلد. «حزب الله» كان قد استشعر في ما قبل خطر الحصار من الداخل، وانطلاقًا من قاعدة تحصين نفسه وإبعاد خطر توريطه في اقتتال داخلي، ذهب نحو تفاهم تاريخي مع «التيار الوطني الحر». وبعيدًا من تفاصيله وما حصل لاحقًا، نجح الحزب في تأمين حاضنة مسيحية، في مرحلة شهدت المنطقة فيها على مشاريع غّيرت المشهد رأسًا على عقب. هنا لم يكن الحزب في حاجة إلى صبّ جهوده على أشخاص ومجموعة من التيارات السياسية، بل كان عليه إنجاز اتفاق مع من يمثل اكثرية المسيحيين في حينه لكي يشرع في طمأنة نفسه وشارعه ودرء أخطار الحصار عنه.

 

درزيًا لم يشبه الأمر ما حصل مع «التيار»، فالحزب كان ولا يزال في بعض الأحيان يفضّل التعاطي مع رئيس «الحزب التقدمي الاشتراكي» وليد جنبلاط وحزبه، وفي هذا الإطار لطالما شهدت العلاقة سخونة وبرودة بحسب مقتضيات المرحلة وتفاعل جنبلاط مع التغيّرات. ولكن، كان لحضور الأمير طلال ارسلان على الساحة في الجبل، وكذلك طموح الوزير السابق وئام وهاب وفرض نفسه لاعبًا أساسيًا على الأرض، المساهمة الأكبر في إحداث اختراق على الساحة، وهو عامل ايجابي استثمره «حزب الله»، ليعتبر أنّ ما يقارب نصف الشارع الدرزي بات لا يعاديه، بل أكثر وصولًا إلى حدود التحالف الوثيق واعتبار أنصار حزب «التوحيد العربي» والحزب «الديمقراطي اللبناني» جزءًا من الهيكل الوطني لمشروع المقاومة.

 

هذه الاستراتيجية التي نجح الحزب في تطبيقها مسيحيًا ودرزيًا، لم ينجح فيها سنّيًا، وهو واجه إخفاقًا ذريعًا على صعيدين أساسيين: الإخفاق الأوّل يكمن في عدم تمكّنه من كودرة شخصيات سنّية تُحدث فارقًا على الأرض، والإخفاق الثاني كان واضحًا في عدم نجاحه بتوحيد حلفائه السنّة الموجودين طبيعيًا على الساحة، ويلتقون معه على مبدأ المقاومة.

 

منذ العام 2006 عملت الماكينات الاعلامية لـ«حزب الله» على إظهار شخصيات تدور في فلك المقاومة، وآتية من بيئات سنّية، ولكن دون أن تنجح في ترك بصمة حتى على صعيد محيطها المباشر، فظهر بعض من أسّس لتيارات سياسية أو أحزاب صغيرة بمظهر «المنبوذ» من محيطه وغير المقدّر.

 

مع الوقت، أيقن الحزب، بحسب ما تشير الأجواء، أنّ الرهان على هؤلاء ساقط، كونهم لن يستطيعوا إصابة هدف صناعة رأيٍ عامٍ سنّي مناصر للمقاومة بمقدار كبير، وشبيه بحلفائها في بقية الطوائف، حتى وصل للإقلاع عن هذه الفكرة.

 

في الوقت عينه، جرت بالتوازي مع عملية الكودرة المذكورة، محاولات عدة لتوحيد الصف السنّي الحليف للحزب، من صيدا إلى عكار، وهو الأمر الذي لم ينجح سوى شكليًا ولفترة محدودة. فقد تحكي تجربة اللقاء التشاوري بعد انتخابات العام 2018 عن نفسها. حلفاء للحزب يجتمعون دوريًا ولا يتنازل أي منهم تحت أي ضغط من أجل الاتفاق مع الآخر، ومشهد الخلاف الكبير على توزير ممثل عنهم في حكومة الرئيس سعد الحريري التي سبقت 17 تشرين، كان الشعرة التي قصمت ظهر اللقاء، والذي رفضت مكوّناته أن تعود الى الاجتماع بعد انتخابات 2022 على الرغم من تمنّي الحزب عليها ذلك.

 

ما قد يتفق عليه حلفاء «حزب الله» السنّة، بحسب مصدر منهم، هو أمر واحد، وهو أنّ الحزب يريدهم أن يقاتلوا إلى جانبه في أوقات الزرع والمواجهة، وفي أوقات الهدنات يذهب عند خصمهم المباشر، تيار «المستقبل»، ليحصد معه البيدر. هكذا حصل حين ولد الاتفاق الرباعي، وهكذا حصل حين اضطروا للعودة إلى تسمية الرئيس سعد الحريري، على الرغم من حيازتهم مع حركة “امل” و”التيار الوطني الحر” وحلفائهم على اكثرية نيابية.

 

يمكن الجزم، أنّ الحزب لم يعِ بالضرورة حتى الآن طريقة التعاطي مع الواقع السنّي، على الرغم من أنّ كل مسؤوليه يعتبرون اليوم أنّ من واجبهم تطبيق رؤية الحزب العامة بنقل المشهد نحو تفاهمات مع مكوّنات الطائفة السنّية، وإبعاد الساحتين عن أي خلاف قد يؤدي إلى فتنة. نجاح الحزب الوحيد قد يكون بإظهاره تمسّكه بالحريري ما أثلج قلب شارعه، ولكن من يضمن أن لا تحمل المتغيّرات في المنطقة مشروعًا تفجيريًّا شبيهًا بـ14 شباط 2005، فكيف سيكون واقعه بلا سند سنّي قوي، وبلا سند مسيحي يبدو حتى الآن أنّ الحزب خسره بنفسه؟!