Site icon IMLebanon

الحزب بعد الحرب: تبريد أم تسخين؟

 

 

يكثر التركيز على الأزمتين الرئاسية والمالية وإهمال الأسباب الأساسية المُسبّبة للشغور الرئاسي والانهيار المالي والناتجة عن تغييب الدولة بفعل أزمة التعايش السياسية.

لم ينزلق لبنان إلى الانهيار المالي إلّا بسبب الإدارة السياسية المتحكمة بالقرار التي رعت التهريب وغضّت النظر عنه وحالت دون الإصلاح واستثمرت في الهدر وعزلت البلد، ولم يتحوّل الشغور إلى قاعدة سوى بسبب الإدارة نفسها التي لا تتقيّد بالدستور ونصوصه، ولم يتوسّع الانقسام ويترسّخ إلا بفعل الخلاف الكبير والعميق حول دور الدولة الداخلي والخارجي.

وعلى رغم الحرص الشديد على انتخاب رئيس جديد للجمهورية يشكّل مدخلا لعودة الانتظام الدستوري، ويفتح باب الإصلاحات سعياً للخروج من الأزمة المالية، ولكن هذا الانتخاب سيؤدي في أحسن الأحوال إلى انفراج جزئي ومؤقّت كَون الفريق المُمسك بالقرار الاستراتيجي لن يسمح بقيام الدولة الفعلية، والدليل ان التسويات كلها التي أبرمت منذ العام 2005 كان سقوطها عظيما، ولن تختلف التسوية الجديدة عن سابقاتها.
ومعلوم ان اللجنة الخماسية تركِّز اهتمامها على انتخاب رئيس للجمهورية، ولا تثير في لقاءاتها الأزمة المسبِّبة للشغور والانهيار والانقسام، ومعلوم أيضاً ان فئة سياسية من القوى المعترضة على الأمر الواقع تصرّ على مواصلة المواجهة بالطريقة التقليدية نفسها من دون مراجعة هذه المواجهة العاجزة عن حلّ جوهر المشكلة، والمستفيد من سقفَي الخماسية الرئاسي وبعض المعارضة التقليدي هو «حزب الله» بإبعاده ملف سلاحه عن النقاش.
وأصحاب وجهة النظر التي تُبدّي الانتخابات الرئاسية على ما عداها تعتبر ان ملف السلاح وغيره يكون من اختصاص رئيس الجمهورية المنتخب والحكومة المقبلة، لأن الأولوية هي لاستكمال بناء الهرم الدستوري المولج مقاربة الملفات كلها ومعالجتها، وهذا لا يعني إهمال ملف السلاح، إنما وضع هذا الملف على طاولة المؤسسات.
ولكن خطورة وجهة النظر أعلاه تكمن في ثلاثة جوانب أساسية:
الجانب الأول انه مع الانتخابات الرئاسية والتكليف والتأليف، يصبح التركيز على هذه الاستحقاقات والمرحلة الجديدة التي تدخلها البلاد بتوازناتها وصراعاتها وتوافقاتها والخطوات التي ستعتمدها.

الجانب الثاني انه في حال حصول الانتخابات الرئاسية على قاعدة تسوية جديدة وَجَدتها الدول الخليجية متوازنة، فإنها سترفع حظر الدعم عن لبنان، ما يؤدي إلى بدء الخروج من الأزمة المالية من دون خطة عمل اقتصادية مؤسساتية.
الجانب الثالث ان الرأي العام الذي أرهق في السنوات الأخيرة بسبب الانهيار والشغور والحرب سيمنح فترة سماح للعهد الجديد ويتراجع احتقانه وتعبئته.
فالوضع القائم اليوم أكثر من مثالي لوضع سلاح «حزب الله» على طاولة المفاوضات لا الانتخابات الرئاسية، ومعالجة أي ملف بحاجة إلى ظرف، والظرف الحالي من الصعب ان يتكرّر: انهيار وشغور وحرب، وتفويت هذا الظرف يعني تمديد وضع السلاح غير القابل للمعالجة بالحوار وغيره، خصوصاً ان هذه الوسيلة جرِّبت وتكرارها عديم الفائدة.
وقد لا يكون ممكناً الاستفادة من العوامل الثلاثة، الانهيار والشغور والحرب، لدفع الأمور باتجاه وضع سلاح «حزب الله» على طاولة التفاوض بسبب الوضع الخارجي الذي يُبدّي التسوية الرئاسية على ما عداها، وبفعل ان الوضع السني والدرزي مختلف عما كان عليه في السنوات الأولى لانتفاضة الاستقلال، خلافاً للوضع المسيحي الذي يشهد تعبئة غير مسبوقة ضد هذا السلاح، ما يعني غياب الجهوزية المطلوبة وطنيا وخارجيا، لأنّ الجهوزية المسيحية حصراً قد لا تكون كافية.
ولكن الوضع الخارجي لا يشكل معيارا حاسما في حال نجحت القوى الداخلية في رفع عنوان السلاح كأولوية، وهذا ما يفترض حصوله استباقاً لأيّ تسوية رئاسية يمكن حصولها بشكل مفاجئ بعد انتهاء الحرب وتراجع «حزب الله» عن مرشحه الرئاسي، خصوصا ان الحزب بحاجة ماسة لتسوية لثلاثة أسباب رئيسية:

لأنه بحاجة أولاً لإعادة ترتيب أوضاعه العسكرية بعد حرب مُكلفة عليه لم يكن يتوقّع ان تطول ولا ان تكون خسائره باهظة فيها مع التفوّق التكنولوجي الاسرائيلي.
لأنه بحاجة ثانياً لِحَرف الأنظار عن اتخاذه قرار الحرب الذي أثار انقساما واسعا وشكّل استمرارا للانقسام حول سلاحه، وبالتالي هو بأمسّ الحاجة لإبعاد التركيز عن سلاحه، وحركة المشاورات والاستشارات وأسماء الوزراء الجدد واستقبالات رئيس الجمهورية وجلسات الثقة (…) تشكل أفضل مادة إلهاء للبنانيين.
لأنه بحاجة ثالثاً لفترة هدوء وتبريد، إن كان لبنانياً من أجل تنفيس الاحتقان والتهيئة لترسيم حدود التسوية الجديدة استعدادًا للانقلاب عليها، أو إقليمياً لجهة حاجة المحور إلى وضع خطط ما بعد الحرب.
في المقابل، هناك من يتحدّث عن سيناريو من ثلاثة سيناريوهات قد يلجأ «حزب الله» إلى اعتماده بعد انتهاء حرب غزة:
السيناريو الأول تكرار 7 أيار 2008، أي ان ينقّض على الوضع الداخلي عسكرياً لإمساك البلد بقبضة حديدية في مرحلة جديدة وطويلة من الستاتيكو مع إسرائيل تتطلّب منه ان يحسم الوضع في لبنان لمصلحته وبالضربة القاضية.
السيناريو الثاني ان يتمسّك أكثر فأكثر بترشيح الوزير والنائب السابق سليمان فرنجية من منطلق التعويض رئاسيا ما خسره عسكريا وحدوديا.

السيناريو الثالث ان يتراجع عن ترشيح فرنجية سعياً لتسوية تمنحه الهدوء السياسي في الداخل، والمال الخليجي من الخارج، خصوصا انه بحاجة للإعمار بعد انتهاء الحرب، والإعمار لن يتحّق سوى من بوابة الخليج.
ومن الثابت انّ السيناريو الثالث سيشقّ طريقه مباشرة بعد انتهاء الحرب، وسينتقل «حزب الله» فوراً من التسخين العسكري والسياسي، إلى التبريد ومَدّ اليدّ سعياً لتسوية رئاسية. والتسوية لا تعني ان الحزب هو الرابح فيها، إنما على العكس كونه في وضعٍ تراجعي بدءاً من الحدود، وصولا إلى الرئاسة، وما بينهما وضع محور الممانعة برمته الذي ظهر في وضع ضعيف جدا في حربه مع إسرائيل خلافاً لكل ادعاءاته الخطابية، ولكن المشكلة ليست في وضعه التراجعي حكماً، إنما في تفويت فرصة تاريخية لمعالجة إشكالية سلاح الحزب والتي من دون معالجتها يستحيل العبور إلى الدولة وتحقيق الإصلاحات، وفضلاً عن انه بعد ان يلتقط الحزب أنفاسه سينقلب مجدداً على التسوية العتيدة استكمالاً لمشروعه القاضي بالسيطرة الكاملة على لبنان.
فالوضع القائم قد لا يتكرّر في المدى المنظور، ومن الضروري تهيئة الأجواء لتسوية نهائية لا رئاسية، لأن المطلوب معالجته وبإلحاح يكمن في أزمة التعايش المستحيلة مع سلاح «حزب الله» ودوره، وما لم تعالج قبل التسوية الرئاسية فيعني انها لن تعالج، وستبقى المواجهة تحت سقف السلاح.

وانطلاقاً من تجربة السنوات الـ19 لا يجب ان تتوهّم القوى السياسية بأنّ التسوية الجديدة ستختلف عن التسويات التي سبقتها في الأعوام 2005 و 2008 و 2016، وقد يقول قائل انه يكفي في هذه المرحلة تحسين ظروف التسوية وتحصينها بانتظار ان يقتنع الحزب بتسليم سلاحه، ولكنه لن يقتنع ولن يسلِّم سلاحه، لأن المعايير التي ينطلق منها ليست لبنانية، إنما إيرانية، وما ينطبق عليه ينسحب على «الحشد الشعبي» في العراق والحوثي في اليمن، وبالتالي تسليم السلاح مرتبط بطهران لا الحزب، وما لم تكن عواصم القرار الغربية والعربية على استعداد لوضع حد للمشروع الإيراني، فإنه على القوى السيادية في لبنان ان تتصرّف بمعزل عن هذه العواصم وتفرض شروطها لقيام دولة فعلية.
وعلى رغم انّ مشهد ما بعد الحرب مرتبط في كيفية انتهاء هذه الحرب من أجل ان يُبنى على الشيء مقتضاه، إلا انه وفقاً للتجارب، وما أكثرها، ينطلق قطار التسويات بسرعة قياسية يصعب إيقافه ويصبح الخيار معه إمّا الركوب في القطار وإمّا البقاء خارجه، ولن يعود عندذاك سقف النقاش سلاح «حزب الله»، وبالتالي السؤال الذي يطرح نفسه: هل هناك فرصة وإمكانية لاستباق قطار التسويات بقطار آخر عنوانه معالجة الأزمة بجانبها التعايشي لا الرئاسي، وكيف؟