Site icon IMLebanon

الحرب انتهت… وهذا هو المنتصر

في حياة الدول، تأتي لحظات لا يعود فيها الخطأ موقفاً سياسياً عابراً، بل يصبح خطأً تاريخياً. ولبنان يقف اليوم أمام واحدة من تلك اللحظات.

ليس أخطر ما يواجهه احتمال اندلاع حرب جديدة. الأخطر أن يصرّ بعض أبنائه على إدارة المستقبل بعقلية الماضي. فالتاريخ لا يعاقب الدول والمنظمات المسلّحة لأنّها خسرت حرباً. بل لأنّها لم تفهم أنّ العالم الذي خاضت فيه تلك الحرب قد انتهى. هذه هي اللحظة اللبنانية.

 

الشرق الأوسط الذي تشكّل بعد عام 1979 يلفظ أنفاسه الأخيرة. المنطقة التي حكمتها الحروب بالوكالة، ومحاور النفوذ، والجبهات المفتوحة، تُعيد اليوم ترتيب أولوياتها: الدولة قبل الجماعة. الاقتصاد قبل الأيديولوجيا. الاستقرار قبل المغامرة. والتنمية قبل الاستنزاف.

 

إنّها ليست رغبة طرف، إنّها حركة التاريخ، والتاريخ لا ينتظر أحداً.

لقد علّمتنا التجارب أنّ الدول والحركات المسلّحة لا تنهض لأنّها امتلكت القوّة وحدها، بل لأنّها امتلكت شجاعة مراجعة نفسها عندما تغيّر العالم.

 

اليابان فعلتها بعد الحرب العالمية الثانية، فتحوَّلت من إمبراطورية عسكرية مهزومة إلى قوّة اقتصادية عالمية. وأيرلندا الشمالية فعلتها عندما أدرك الجميع أنّ استمرار السلاح يعني هزيمة الجميع، فانتقلت المعركة من الشارع إلى المؤسسات. وفرنسا وألمانيا فعلتاها عندما استبدلتا قرناً من الحروب بمشروع أوروبي مشترك غيّر وجه القارة.

أمّا الدول التي أصرَّت على خوض المعارك بعقلية الأمس، فقد خسرت المستقبل قبل أن تخسر الحرب.

 

ولبنان ليس خارج هذا القانون. لقد دفع اللبنانيّون ثمناً يفوق قدرة وطن صغير على التحمُّل. انهار نظامه المالي. تقلّص اقتصاده. هاجر مئات الآلاف من شبابه. ثم جاءت الحرب الأخيرة لتضيف طبقة جديدة من الخسائر البشرية والاقتصادية الهائلة، في بلدٍ لم يتعافَ أصلاً من انهياره الكبير.

 

ومع ذلك، لا يزال الخطاب العام يدور حول مَن انتصر ومَن انهزم، كأنّ السؤال الحقيقي هو تسجيل النقاط، بينما سؤال التاريخ مختلف تماماً: هل يريد اللبنانيّون دولة واحدة، أم يريد كل فريق دولته الخاصة؟

فلا دولة مستقرّة بقرارَين. ولا اقتصاد مزدهراً بجيشَين. ولا سيادة بمرجعيّتَين. ولا سلام دائماً عندما يصبح قرار الحرب خارج المؤسسات الدستورية.

 

وهنا تكتسب كلمات الإمام موسى الصدر قيمة استثنائية. فالرجل الذي حمل قضية الحرمان والدفاع عن الجنوب، لم يطرح يوماً مشروعاً بديلاً عن الدولة، ولم يجعل الطائفة بديلاً عن الوطن. لذلك بقيت عبارته: «لبنان وطن نهائي لجميع أبنائه» رؤية سياسية متقدّمة، لا شعاراً وجدانياً. وبقي قوله: «الطوائف نعمة، أمّا الطائفية فهي نقمة» تحذيراً مبكراً من أن يتحوَّل الانتماء الطائفي إلى مرجعية تعلو على الدولة.

 

لو كان الإمام الصدر بيننا اليوم، لكان سؤاله بسيطاً وحاسماً: كيف نحمي لبنان، لا كيف نشتم ونهدِّد لنربح سجالاً؟ وكيف نبني دولة يتساوى فيها الجميع تحت سلطة القانون، لا كيف نستقوي بالخارج ونكرّس توازنات مؤقتة تنهار عند أول عاصفة إقليمية؟

 

إنّ الدفاع عن لبنان لا يكون بإبقائه ساحة للصراعات، ولا بتحويله صندوق بريد للرسائل العسكرية، ولا بربط مستقبله بموازين قوى تتغيّر كل عقد، بل بتحويله إلى دولة قادرة على حماية سيادتها وأمنها، والتفاوض باسم شعبها، وبناء اقتصادها، واستعادة ثقة العالم بها.

 

أكبر انتصار اليوم ليس أن يثبت أي طرف أنّه كان على حق في الحرب، بل أن يثبت أنّه قادر على حماية السلام.

وأكبر شجاعة ليست في قرار المواجهة، بل في قرار إنهاء الحرب وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي وإعادة الإعمار وعودة الأهالي والأسرى، وتحقيق استقرار مستدام، ولا يتمّ كل ذلك إلّا عبر مشروع الدولة.

 

فالدول المزدهرة لا تُقاس بعدد الحروب التي خاضتها، بل بعدد الحروب التي نجحت في منعها.

 

وعندما يكتب المؤرّخون قصة هذه المرحلة، لن يسألوا مَن كان الأعلى صوتاً، ولا مَن امتلك السلاح الأكثر حضوراً، بل سيسألون سؤالاً واحداً:

مَن امتلك البصيرة الكافية لينقذ لبنان من الماضي… ويأخذه إلى المستقبل؟

Exit mobile version