Site icon IMLebanon

هكذا قرأت هوكشتاين

 

عاد آموس هوكشتاين مجدداً الى بيروت فتلقف المسؤولون زائراً طالما انتظروه لإعادة الحياة إلى صروح وقصور تعاني خواءً سياسياً ويقبع ساكنوها في عزلة منذ ردح من الزمن ليس بقصير. لكنّ الزيارة هذه المرة أتت وفقاً لتوقيت اختاره الموفد الأميركي بنفسه بما يقدم أكثر من مؤشر لبداية مرحلة سياسية وأمنية جديدة في لبنان تستمد معالمها من الهدنة المرتقبة في غزة قبل بداية شهر رمضان المبارك. التوقيت الأميركي للزيارة يعني بداية مرحلة من الدبلوماسية الأميركية الصارمة التي عبّرت عنها جملة من الرسائل الدقيقة التي حملها هوكشتاين والتي تختلف في جوهرها عما سمعه اللبنانيون في الزيارات السابقة، في ضوء جملة من المتغيّرات التي شهدها الميدان في غزة وفي البحر الأحمر والجنوب والموقف العربي المواكب للحرب منذ الزيارة السابقة في شهر كانون الثاني/ يناير المنصرم.

الرسائل المكتوبة التي تلاها الموفد الأميركي لم تكن إختلافاً من الناحية الشكلية فحسب، بل سلسلة مواقف تمت صياغتها بدقة أراد الموفد الأميركي إبلاغها للمسؤولين في لبنان بما لا يقبل التأويل، وربما بما يسمح بمناقشة آليات تنفيذها والمهل المتاحة لها وليس الحالة النهائية المطلوبة. لقد قدّم الموفد الأميركي بدقة ما يمكن اعتباره مواصفات المرحلة المقبلة بما يفضي إلى استقرار نهائي على الخط الأزرق، رافضاً بشكل مطلق الربط بين وقف إطلاق النار في غزة بوقف العمليات العسكرية في لبنان مسقطاّ  كل ما تحدث عنه في زيارات سابقة حول عدم توسّع الإشتباكات على الحدود الجنوبية وقاطعاً الطريق على كل ما ساقه حزب الله سابقاً وما تبنته الحكومة اللبنانية بالربط بين الوضع الميداني في غزة وجنوب لبنان تحت عنوان مساندة غزة.

 

الحل دبلوماسي كما وصفه هوكشتاين، لكن وقف إطلاق النار المؤقت ليس كافياً والتصعيد لن يحل الأزمة ولن يساعد اللبنانيين، والحرب المحدودة غير قابلة للإحتواء، والدعم الدولي للبنان ومؤسساته العسكرية والإقتصادية يبدأ عند التوصل الى تسوية تضمن الأمن والإستقرار على جانبيّ الحدود. هذه التقييدات التي أعلنها الموفد الأميركي تحمل في طياتها كل عناصر التحذير من نتائج استمرار الإشتباكات على الحدود، فعدم احتواء الحرب المحدودة يعني الذهاب الى مواجهة شاملة بغطاء أميركي، ورفض الربط بين وقف إطلاق النار في غزة ووقف العمليات في الجنوب يعني رفضاً لمبدأ وحدة الساحات الذي أطلقته طهران ورفعته أذرعها في  لبنان وسوريا والعراق واليمن، كما أن رفض الوقف المؤقت لإطلاق النار يعني رفض منطق تجدد جولات القتال في لبنان لتهديد الإستقرار ومخاطبة الولايات المتحدة.

وفي هذا السياق لا بد من التوقف عند ملاحظتين: الأولى، هي استخدام هوكشتاين لمصطلح الإستقرار على الخط الأزرق وليس على الحدود الدولية مما يعني أن معالجة مسألة النقاط الحدودية المتنازع عليها ومعها مسألة مزارع شبعا وتلال كفرشوبا ليست شرطاً مسبقاً لفرض الأمن على الحدود، ومما يعني أيضاً ترحيل هذه المسألة ومعالجتها بين لبنان وإسرائيل عبر الطرق المعتمدة دولياً وعدم إدخالها في مساومات وصفقات وتحويلها الى فائض نفوذ لحزب الله على حساب لبنان كما حصل في مسألة الترسيم البحري. والملاحظة الثانية هي عدم تطرق الموفد الأميركي الى مسألة تطبيق القرار الدولي 1701 باعتباره الحل الدائم لمسألة الإستقرار في الجنوب، مما يعني الإنتقال التدريجي من الخط الأزرق الذي يعتبر خط التحقق من إنسحاب القوات الإسرائيلية إلى تثبيت وقف إطلاق النار وترسيم الحدود الدولية بالتزامن مع إنتشار الجيش بعد تقديم الدعم الدولي له ـــــــــ والذي يبدو أنه يسير بخطٍ موازٍ مع مسارات التسوية ــــــــ ولاحقاً إنهاء مهمة قوات الأمم المتحدة في جنوب لبنان التي أُنشئت بوصفها قوات مؤقتة وتحمّل الجيش لمسؤولياته بشكل كامل بما يخرج موضوع الحدود من مزايدات السياسات الإقليمية والإصطفافات المحلية .

إن قراءة واقعية لتقييدات هوكشتاين تقدم بكل وضوح توصيفاً للوجه الآخر لمسار التوصل الى حل دبلوماسي وتضع أصحاب القرار في لبنان أمام دقة وحراجة المرحلة والمخاطر المترتبة على ذلك. وما توسيع دائرة اللقاءات التي عقدها الموفد الأميركي لتشمل أركان المعارضة والرئيس السابق للحزب التقدمي الإشتراكي وليد جنبلاط وقائد الجيش سوى تأكيد على مسار بياني واضح للحل هو نتاج جهد دولي وليس قراراً أميركياً كما قال هوكشتاين بكل وضوح من عين التينة ودفع الجميع لتحمل مسؤولياتهم.

فهل تكفي تقييدات هوكشتاين لتبديد المخاوف من إزدواجية أميركية جديدة  تستنسخ نتائج عدوان 2006 وطريقة تطبيق القرار 1701 وتفضي إلى مزيد من سقوط الدولة بيد حزب الله، والتي سبقتها إزدواجية أميركية أخرى أفضت الى تطبيق الطائف بطريقة مجتزأة ومهدت لوصاية سورية على لبنان؟ وهل تخلى من التقاهم هوكشتاين عن رهابهم وأظهروا ما يكفي من وضوح الرؤية لإنقاذ لبنان بعيداً عن أدبيات المداهنة الوطنية والعناوين الفارغة؟

* مدير المنتدى الإقليمي للدراسات والإستشارات