Site icon IMLebanon

الفنادق التي لم تقفلها الحرب!

 

 

لم تقفل فنادق خلال الحروب اللبنانية المديدة بسبب نقص في المال او ندرة زبائن. أُقفل بعضها بسبب المعارك المباشرة أو لوقوعه بين نيران المتحاربين، مثلما حصل لفندق “هوليداي إن” الذي لا يزال شاهداً في جدرانه المثقوبة بالرصاص على ضراوة حرب قسَّمت العاصمة الى شطرين طائفيين، قبل ان تشطرها الحروب اللاحقة الى زواريب واحياء مذهبية توحدها في الشكل سلطة مركزية، بقدر ما تسمح لها مكوناتها من سلطات الامر الواقع.

 

ما حصل لـ”الهوليداي إن” حصل لعددٍ من الفنادق المحيطة مثل الـ”فينيسيا” و”سان جورج”، لكن سرعان ما عاد الفندقان الى العمل، ونشأت في الجوار مؤسسات مشابهة، وفرضت النشاطات المختلفة قيام فنادق جديدة في احياء بعيدة عن وسط بيروت، امتداداً الى الاشرفية والضواحي الشرقية والجنوبية. “الهوليداي إن” بقي وحده من دون ترميم أو إعادة بناء، لأسباب تتعلق بمالكيه، وليس بالحركة الاقتصادية والسياحية التي فرضت، رغم الحروب، توسعاً في العمل الفندقي ساحلاً وجبلاً.

 

قبل اتفاق الطائف، امتلأت فنادق الحمرا والروشة وبرمانا وجونية، تدفقت الأموال الى الميليشيات المتحاربة ولم تقفل المصارف يوماً وبدأت أجيال المهاجرين اللبنانيين الجدد ترسل الأموال الى عائلاتها. اشتهر “كومودور” الحمرا بوصفه ملتقىً للصحافيين الأجانب، و”البريستول” استمر ملتقى للعائلات والشخصيات اللبنانية والعربية والأجنبية، وبعد الظهر تحول مقهاه على مدى سنوات مَضافة لكتاب وصحافيين ومتلصصين وجواسيس وكتبة تقارير. وهذا من طبيعة الأمور ففندق بهذا الوهج التاريخي والرصانة التقليدية سيجذب كل أنواع الرواد. من امير موناكو وشاه ايران الى اعراسٍ بيروتية فاخرة، ومن منتديات ثقافية الى الاجتماعات السياسية الشهيرة التي ستضع حداً للاحتلال السوري للبنان.

 

وفي “البريستول” أقام الرئيس السابق للجمهورية الراحل سليمان فرنجية لبعض الوقت عندما ترشح للانتخابات الرئاسية في أوائل صيف 1988، وتحول الفندق الى مقر شمالي زغرتاوي لبعض الوقت. ومثل “البريستول” كان أوتيل “كارلتون” الذي اختاره الياس سركيس مقراً خاض منه معركته الانتخابية، وهو الفندق الذي اسماه صحافيون العام 1973 فندق “كارل ماركس” بعد استضافته على مدى ايّام المؤتمر الثالث لـ”الحزب الشيوعي” اللبناني بحضور وفود عربية وعالمية.

 

لم تقفل الفنادق اللبنانية ابوابها يوماً رغم الحروب والاجتياحات، ومطبخ “البريستول” بقي يوفر الغذاء لرواده في عزّ الحصار الاسرائيلي العام 1982، وكنا كجيران قدامى نستفيد من فوائد الجيرة ومن مكانة الشيف اميل الصديق القديم الذي واكب “البريستول” منذ قيامه، واستمر فيه متخطياً عامل السن حتى عمليات الترميم الكبرى في 2013.

 

بيع الـ”كارلتون” وهُدم ليتحول شققاً فخمة، ومنذ سنوات، بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري، بدأت صرخات أهل الفنادق تعلو، ومعهم قطاعات كثيرة. صرخة المواطن ارتفعت ايضاً. تحول لبنان فسطاطاً في المعركة العالمية بين ايران واميركا، ومنه شُنت اقسى الهجمات ضد العرب الآخرين الذين اعتادوا ملء فنادق لبنان وتعبئة خزائن أمواله.

 

أقفلت أبواب الإمداد امام البلد، وأجهز حكامه الذين اعتادوا التمويل الخارجي، على بقايا ما في صناديق مصارفه من مدخرات أهله ووصلنا الى ما نحن عليه وفيه.

 

قبل “البريستول”، أنهى “الحبتور” أعماله، وأقفلت مئات المؤسسات ابوابها، واتسعت دائرة الفقر والعوز. كل ذلك يحصل في زمن السلم وحكم الأقوياء، ولم يحصل في أيّام الحرب والفوضى…

 

لم يستحق الأمر لفتة من هؤلاء الأقوياء، فإقفال معلم من معالم المدينة لن ينتبه اليه الا بعض الحالمين باستمرار المدينة وبقيامتها.